Categories
من التارزي إلى "الفريب".. كيف غير غلاء المعيشة عادات التونسيين؟
من التارزي إلى "الفريب".. كيف غير غلاء المعيشة عادات التونسيين؟
استمعاستمع (5 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 01 دقيقة 50 ثانية play-arrow01:50Published On 28/7/202628/7/2026لم يعد السؤال عند كثير من التونسيين: ماذا سأشتري؟ بل كيف أُطيل عمر ما أملك؟ حذاء يتجه إلى الإسكافي بدل من سلة المهملات، وقميص يعود إلى التارزي ليكتسب مقاسا جديدا، وطوابير أمام محلات الملابس المستعملة بحثا عن قطعة أقل ثمنا… مشاهد باتت تتكرر في مدن تونس، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
الإصلاح و"الترقيع"
في هذا المحل، تتكدس الملابس التي تنتظر إصلاحا أو تعديلا، في مشهد يعكس تحولا في سلوك المستهلكين. ويقول عبد العزيز، صاحب المحل، إن الإقبال على خدمات الخياطة لم يعد يقتصر على تجهيز الملابس للمناسبات، بل امتد ليشمل إصلاح الملابس اليومية، بعدما دفعت موجة غلاء الأسعار كثيرا من العائلات إلى إصلاح ما تملكه بدلا من شراء ملابس جديدة.
ويضيف عبد العزيز للجزيرة نت: "الملابس الجديدة صارت باهظة الثمن، لذلك يلجأ المواطن إلى اقتناء لباس مستعمل أو قديم لإصلاحه"، موضحا أن معظم الزبائن يقصدون محله لإصلاح الملابس، بينما يختار عدد قليل فقط تفصيل ملابس جديدة بدلا من شراء الملابس الجاهزة.
وعلى بعد أمتار، يتكرر المشهد داخل محل الإسكافي، حيث تحولت الأحذية التي كان مصيرها الاستبدال إلى قطع تخضع للترميم والصيانة، في محاولة لإطالة عمرها لأشهر، وربما لسنوات إضافية.
ويقول صاحب المحل للجزيرة نت: "قبل سنوات كنت أنتظر حرفائي، أما اليوم فأحدد لهم مواعيد للاستلام بسبب كثافة الطلب"، مضيفا: "التونسي ما عادش خالط على الحديد"، في إشارة إلى تراجع القدرة الشرائية، "لذلك هناك من يأتي لإصلاح الحذاء نفسه أكثر من مرة".
"الفريب" من خيار استثنائي إلى سلوك دائم
ولم يقتصر هذا التحول على إصلاح الملابس والأحذية، بل امتد أيضا إلى الإقبال على الملابس المستعملة، التي تحولت من خيار يرتبط لدى البعض بالظروف الاستثنائية أو بمواسم محددة إلى وجهة تسوق اعتيادية لشريحة واسعة من التونسيين.
إعلانوتقول سلوى (اسم مستعار)، وهي تحمل قطعة ملابس لابنتها: "لم نعد نأتي إلى هنا لشراء الملابس اليومية فقط، حتى في الأعياد أصبحت أقدامنا تقودنا إلى هذه المحلات". وتضيف للجزيرة نت: "الجديد غالي برشا، وأيضا جودته سيئة".
تغير في نمط الاستهلاك
وتقول الباحثة في علم الاجتماع فتحية السعيدي للجزيرة نت إن هذه السلوكيات تعكس تحولا في أنماط الاستهلاك أكثر من كونها مجرد عودة إلى مهن تقليدية، إذ دفعت الضغوط الاقتصادية الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتأجيل النفقات غير الأساسية، والبحث عن بدائل أقل كلفة.
من جانبه، أوضح رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي للجزيرة نت أن إقبال التونسيين على هذه المحال يعود إلى عاملين أساسيين: الأول تراجع القدرة الشرائية مع غلاء المعيشة وارتفاع الإنفاق على الأساسيات، والثاني بحث المستهلك عن منتجات أكثر استدامة في ظل تراجع جودة المنتجات الجديدة المستوردة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن ازدهار أنشطة الإصلاح وإعادة الاستخدام والملابس المستعملة يعد من المؤشرات التي ترافق عادة فترات التضخم وتآكل الدخل الحقيقي، حيث تصبح المحافظة على الموجود أقل كلفة من تعويضه.
وقال عدد من الخبراء إن الأسرة التونسية أصبحت بحاجة إلى دخل شهري لا يقل عن 4200 دينار لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، في ظل الارتفاع المتواصل في الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة.
ووفقا لآخر البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس، بلغت نسبة الفقر العام 16.6%، بينما سجلت نسبة الفقر المدقع 2.9%، بحسب نتائج المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر.
ومؤخرا، وضعت الحكومة التونسية ضمن خططها التنموية الحالية (2026-2030) أهدافا واضحة، حيث تستهدف خفض نسبة الفقر العام إلى أقل من 15% بحلول عام 2030.
اقتصاد جديد للتكيف مع الغلاء
بين ماكينة خياطة لا تهدأ، ومطرقة إسكافي استعادت إيقاعها، ورفوف "الفريب" التي تستقطب مزيدا من الزبائن، تتغير عادات الاستهلاك في تونس. ليس بفعل تبدل الأذواق، وإنما تحت ضغط واقع اقتصادي جعل الإصلاح وإعادة الاستخدام جزءا من توجه يومي لمواجهة غلاء المعيشة.
المصدر: الجزيرة