Categories
"مؤثرو الوحدة".. كيف تحولت العزلة إلى موضة على تيك توك؟
"مؤثرو الوحدة".. كيف تحولت العزلة إلى موضة على تيك توك؟
استمعاستمع (8 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesعلى تيك توك، لم تعد الوحدة تعرض كمشكلة أو تجربة مؤلمة، بل تحولت إلى محتوى جذاب يحقق ملايين المشاهدات. تبدأ مقاطع الفيديو عادة بجملة مثل: "أنت تعيش وحدك ولا أصدقاء لديك، وهكذا تقضي ليلة السبت"، ثم تنتقل لعرض مشاهد هادئة: شخص في شقة أنيقة يتبع روتين العناية بالبشرة، يطهو عشاء لنفسه فقط، ثم يرتدي ملابس النوم ويستلقي في سرير مرتب أمام التلفاز. مع موسيقى هادئة وإضاءة دافئة، تتحول صورة "البقاء وحيدا في المنزل" إلى مشهد مريح وجذاب، وكأن العزلة اختيار واعٍ ومصدر للراحة النفسية، لا أمر يستدعي القلق. وبفضل الانتشار الواسع لهذا النوع من المحتوى، يبرز سؤال مهم: كيف تحولت الوحدة، التي طالما اعتُبرت قضية اجتماعية ونفسية مقلقة، إلى نمط حياة يُحتفى به على منصات التواصل الاجتماعي؟
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2رحلة "حنظلة" مع ناجي العلي و"الكرامة العربية" في عشر لوحات
- list 2 of 2استعادة الهوية عبر الخبز والتراث.. نساء الجنوب يعجنّ الذاكرة في بيروت
حضور رقمي وغياب اجتماعي
المقصود بالعزلة التي يروج لها من يعرفون بـ"مؤثري الوحدة" ليس الانقطاع التام عن العالم أو العيش في عزلة كاملة، حالة تتسم بالوحدة أو بضعف الروابط الاجتماعية العميقة، مع بقاء الشخص حاضرا بقوة في الفضاء الرقمي. فهو يشارك تفاصيل يومه، وينشر روتينه وأفكاره على منصات التواصل، ويبدو متصلا بالآخرين طوال الوقت، لكن من دون علاقات حقيقية وثيقة أو شبكة اجتماعية داعمة خارج الشاشة.
من شعور خاص إلى محتوى رائج
شهد تيك توك خلال السنوات الأخيرة موجة متنامية من المقاطع التي تروج لفكرة "الحياة الهادئة" و"الاستمتاع بالوقت منفردا"، من خلال مشاهد يومية تبدو عادية وبسيطة، مثل شاب يعد عشاءه بعد يوم طويل أو فتاة توثق "موعدا مع نفسها" في مقهى. لكن تكرار هذه الصور، واقترانها برسائل صريحة عن قلة الأصدقاء أو تفضيل البقاء وحيدا، حول الوحدة من تجربة شخصية إلى سردية جماعية تتكرر بصيغ مختلفة على المنصة.
ولم يكتفِ بعض صناع المحتوى بعرض يومياتهم الفردية، بل منحوا هذا النمط من الحياة معنى إيجابيا واضحا، فتقدم الوحدة هنا على أنها راحة من "الدراما" الاجتماعية، وتحررا من استنزاف العلاقات، وفرصة للتركيز على الذات واستعادة التوازن.
إعلانومع الوقت، برز من يطلق عليهم "مؤثرو الوحدة"، وهم من لا يتحدثون عن شعور عابر، بل يطرحون العزلة على أنها نمط حياة متكامل قائم على تقليص الدائرة الاجتماعية، والاعتماد على الذات، والاحتفاء بالهدوء قيمةً في حد ذاته، لا مشكلة تستدعي القلق.
لماذا ينجذب جيل زد لهذا النوع من المحتوى؟
يرى محللون أن صعود هذا النوع من المحتوى يعكس شعورا متزايدا بالإرهاق الاجتماعي لدى بعض الشباب، في ظل ضغوط الحياة الحديثة مثل العمل عن بعد، وارتفاع كلفة المعيشة، و آثار جائحة كورونا والاعتماد المكثف على التواصل الرقمي بدل اللقاءات الواقعية.
وتبدو جاذبية هذا المحتوى أكثر وضوحا عند النظر إلى تجربة جيل زد تحديدا؛ فهو جيل نشأ في عالم شديد الاتصال بالتكنولوجيا، لكنه يواجه في الوقت نفسه علاقات سريعة وهشة لا تضمن بالضرورة القرب الحقيقي.
ووفق استطلاع "لونلينس إن أمريكا" الذي أجرته مجموعة سيغنا عام 2025 على أكثر من 7500 بالغ أمريكي، قال نحو 57% من الأمريكيين إنهم يشعرون بالوحدة، فيما سجل جيل زد وجيل الألفية معدلات أعلى من الأجيال الأكبر سنا، رغم أنهما الأكثر اتصالا بالتقنية.
كما أشار التقرير إلى أن التواصل الرقمي لا يعوض، بالنسبة إلى كثير من الشباب، العلاقات الإنسانية الحقيقية، بل قد يزيد أحيانا الشعور بالعزلة ويؤدي إلى تراجع تقدير الذات.
ومن هنا يبدو محتوى الوحدة أشبه بمرآة لتجارب كثيرين؛ فعندما يتحدث أحدهم عن قضاء عيد ميلاده بمفرده أو الاكتفاء بدائرة اجتماعية ضيقة، يشعر المتلقي أن تجربته لا تستدعي الخجل، بل تمثل واقعا يشاركه فيه آخرون أيضا.
من أبرز تحولات هذه الظاهرة إعادة تقديم الوحدة على أنها تجربة إيجابية؛ فينظر إلى الجلوس بمفردك أو غياب الدائرة الاجتماعية الواسعة على أنهما فرصة للراحة والاستقلال، لا على أنهما مشكلة اجتماعية تستدعي القلق. غير أن هذا التحول يحمل جانبا أكثر تعقيدا؛ فبينما قد يساعد الحديث العلني عن الوحدة في كسر الوصمة المرتبطة بها، يبدأ الخطر حين تتحول العزلة إلى هوية جذابة تُجمَّل عبر المحتوى الرقمي.
تحذر الباحثة في معهد مانهاتن للدراسات الأميركي، الدكتورة كارولين دي غورمان، في تقرير منشور على موقع المعهد، من أن منصات التواصل لا تكتفي بعرض الوحدة، بل قد تكافئ أيضا من يحولها إلى هوية رقمية ومحتوى جذاب. وترى أن هذا التوجه قد يدفع بعض الشباب إلى التعامل مع نقص العلاقات العميقة على أنه أسلوب حياة طبيعي، بدلا من السعي إلى تغييره أو بناء روابط إنسانية أكثر متانة، مما قد يؤدي إلى مزيد من الانسحاب الاجتماعي.
أزمة عالمية تتجاوز حدود "الترند"
لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن التحذيرات العالمية المتزايدة بشأن الوحدة والعزلة الاجتماعية، اللتين لم تعودا تُفهمان على أنهما شعورا عابرا، بل أصبحتا تعدان تحديا صحيا واجتماعيا واسع النطاق. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أعلنت منظمة الصحة العالمية إطلاق لجنة دولية لمواجهة الوحدة والعزلة الاجتماعية، بعد أن أظهرت أبحاثها أن ما بين 5% و15% من المراهقين حول العالم يعانون من الوحدة، مع ترجيح أن تكون النسب الحقيقية أعلى.
وحذرت المنظمة من أن ضعف الروابط الاجتماعية لا ينعكس فقط على الصحة النفسية في صورة القلق والاكتئاب وتراجع جودة الحياة، بل يرتبط أيضا بمخاطر صحية مثل السكتة الدماغية والخرف وأمراض القلب. كما تشير دراسات حديثة إلى أن جيل زد من أكثر الأجيال شعورا بالوحدة، لا لأنه يعيش منفصلا عن الآخرين بالضرورة، بل بسبب هشاشة العلاقات، وضعف الروابط العميقة، وعجز التفاعل الرقمي عن تعويض الحاجة إلى تواصل إنساني حقيقي.
اتجاه صحي أم مقلق
لا يمكن اعتبار قضاء المرء وقتا بمفرده أمرا سلبيا بالضرورة؛ فهناك من يفضلون ذلك ويجدون فيه راحة نفسية. لكن القلق يظهر حين تتحول الوحدة إلى نمط دائم، يستبدل فيه التواصل الحقيقي بالتفاعل الرقمي وحده، أو حين تتحول صورة الوحدة على الإنترنت إلى اتجاه تسويقي يروج للعزلة بدلا من معالجتها. هنا لا تصبح المسألة مرتبطة بـ"حب الوحدة"، وإنما بمدى توازن الحياة الاجتماعية للفرد، وما إذا كانت التجربة الرقمية يمكن أن تحل فعلا محل الحاجة الإنسانية الأعمق إلى الانتماء.
إعلانلا يعكس اتجاه "مؤثري الوحدة" على تيك توك مجرد تغير في المحتوى الرقمي، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة العلاقات الاجتماعية لدى جيل زد. وبينما يمنح هذا المحتوى شعورا بالقبول ويطبع مع تجربة العزلة، فإنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية حول حدود الحياة الرقمية، وأهمية العلاقات الواقعية في الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية على حد سواء.
المصدر: الجزيرةشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink