Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 6, 2026👁 0 views

تركيا والممر الجديد.. تهديد صامت لمكانة إسرائيل

تركيا والممر الجديد.. تهديد صامت لمكانة إسرائيل

استمعاستمع (11 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
إسرائيل تنظر بقلق متزايد إلى تحركات تركيا والسعودية وسوريا لإحياء ممرات تجارة وطاقة تتجاوزها (رويترز)
أمين خلف اللهPublished On 6/7/20266/7/2026

تتغير خرائط الشرق الأوسط أحيانا من دون هدير طائرات أو دوي صواريخ، وذلك تحت وقع قطار يعبر الصحراء، أو ميناء يفتح على البحر الأحمر، أو سكة حديد تعود من قلب التاريخ، قد تكفي لإعادة ترتيب مكانة دولة بأكملها.

من هنا تنظر إسرائيل بقلق متزايد إلى تحركات تركيا والسعودية وسوريا لإحياء ممرات تجارة وطاقة تتجاوزها، في لحظة إقليمية باتت فيها الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر تدفع الجميع إلى البحث عن طرق بديلة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

عندما تم الإعلان عن الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي في قمة العشرين في نيودلهي في سبتمبر/أيلول 2023، اعتبرت إسرائيل المشروع فرصة تاريخية. فالممر، كما يشرحه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في دراسة ليوئيل غوزانسكي، الباحث الكبير ورئيس برنامج الخليج، وغاليا ليندنشتراوس، الباحثة المتخصصة في تركيا، يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل.

ويشمل الممر سككًا حديدية وطرقًا وموانئ بحرية وبرية، إضافة إلى مكونات للطاقة والاتصالات ونقل المعلومات. الدراسة تضع المشروع في سياق المنافسة مع "الحزام والطريق" الصيني، وتصفه بأنه أحد أبرز المشاريع الجيواقتصادية في العقد الأخير.

الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا  ينطلق من الهند نحو أوروبا مرورا بالإمارات والسعودية والأردن وحيفا واليونان (الجزيرة)

في الصياغة الإسرائيلية، كان المعنى واضحًا: حيفا لا تكون ميناءً فقط، بل "بوابة" تربط الخليج بأوروبا. ووفق تقرير سيفان حلاي في "يديعوت أحرونوت" المنشور في 16 أبريل/نيسان 2026، فإن الممر قد يقصر زمن نقل البضائع بنحو 40%، ويحوّل إسرائيل إلى بوابة خروج غربية مركزية، خاصة بعد تعطّل مضيق هرمز وتحول الممر البديل من حلم اقتصادي إلى حاجة أمنية.

المصدر الذي يستحق إبرازًا خاصًا هنا هو "معرخوت"، وهي مجلة عسكرية بحثية تصدر عن المنظومة الإسرائيلية وتُستخدم منصة للنقاش المهني داخل الجيش ومجتمع الأمن. في 26 يناير/كانون الثاني 2026 نشرت مقالًا بعنوان "الممر الاقتصادي: تحديات وفرص لإسرائيل في عصر التنافس العالمي وعدم الاستقرار الإقليمي"، للباحثة لورِن دغان عموس، المتخصصة في سياسة الهند الخارجية والأمنية في مركز بيغن-السادات بجامعة بار إيلان.

وترى دغان عموس أن الممر "خطوة جيواقتصادية" تعيد تشكيل بنية الاتصال بين آسيا وأوروبا، وأن إسرائيل في هذا التصور ليست محطة عابرة، بل عقدة ذات "قيمة منظومية". الأهم أنها تحذر من انتظار "النضج الإقليمي"، وتدعو إلى تحويل المشروع من ممر ينتظر السلام إلى أداة تخلق حوافز تراكمية للاستقرار.

ووفق هذه القراءة العسكرية البحثية فإن إسرائيل لا تنظر إلى الممر كمشروع نقل، بل كاختبار لموقعها في الإقليم، وإذا تأخرت، فإن الآخرين سيملؤون الفراغ.

في الجهة المقابلة، تحاول أنقرة بناء هندسة بديلة، بعد الإعلان عن الممر الاقتصادي، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنه "لا ممر من دون تركيا"، ودفع بمشروع "طريق التنمية" الذي يربط ميناء الفاو العراقي بتركيا ثم أوروبا.

لكن التحول الأوسع جاء مع عودة سوريا إلى قلب الحسابات، فتركيا تريد ربط الخليج عبر سوريا والأردن والسعودية، وإحياء سكة الحجاز التاريخية بما يفتح مسارًا بريًا لا يحتاج إلى إسرائيل.

تقرير إيتام ألمدون في القناة 12، المنشور في 2 يوليو/تموز 2026، قدّم هذه المخاوف بلغة إنذارية، وقال إن إسرائيل بقيت منشغلة بالحرب، بينما تتحرك تركيا وسوريا والسعودية لتأسيس محور تجاري يربط الخليج بأوروبا من دون المرور بإسرائيل، ويورد التقرير تحذيرًا من وزيرة النقل ميري ريغيف من "خطر إستراتيجي حقيقي"، لأن إسرائيل قد تجد نفسها خارج خريطة التجارة العالمية.

خلفية هذا التحول هي الحرب على إيران وأزمة الممرات البحرية، فالمنطقة لم تعد تتعامل مع هرمز وباب المندب كمعابر بعيدة عن الأمن القومي، بل كنقاط اختناق قادرة على شل التجارة العالمية. تقرير القناة 12 الإسرائيلية يربط بين الحرب على إيران، وأزمة إغلاق هرمز، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، والحاجة إلى بناء "جسور برية" من موانئ وسكك ومراكز لوجستية وأنابيب طاقة وكابلات اتصال، بحيث تستطيع التجارة تجاوز أي إغلاق بحري.

المنطقة أصبحت تتعامل مع هرمز وباب المندب كنقاط اختناق قادرة على شل التجارة العالمية (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

ويعتقد غوزانسكي، في حديثه للقناة 12، أن الصراع على الممر ليس اقتصاديا فحسب، ويرى أن هناك مصالح أيديولوجية وجيوإستراتيجية واقتصادية وراء هذه الخطوة التي تتبناها تركيا وسوريا.

وحسب غوزانسكي فإن للسعوديين مصلحة حالية في تجاوز إسرائيل؛ فإن "الحل السياسي مع الفلسطينيين يسبق الممر الاقتصادي"، والرياض تريد أيضا تقوية سوريا كي تصبح نظاما مستقرا وموازنا لإيران. ويضيف أن الإمارات، رغم كونها من القوى الدافعة للممر الاقتصادي، تطور بدائل في الوقت نفسه، لأن الجميع "يحوط المخاطر" عبر مسارات متعددة.

إعلان

لم تعد المسألة ممرا تجاريا فقط، بل رؤية خليجية جديدة لإسرائيل التي باتت تعتبر نفسها قوة عسكرية مفيدة في مواجهة إيران، لكنها أيضا مصدر محتمل لانفجار إقليمي يهدد الاستثمار والطاقة والموانئ.

وفي تقرير صادر عن موقع "غلوبس" بتاريخ 5 يونيو/حزيران 2026، ذهبت نوعا شوسترمان دفير في الاتجاه نفسه، ولكن بلغة اقتصادية. فبدل الحديث عن ممر واحد، تطرح مفهوم "الشبكة" المتمثلة في مسارات متعددة عبر مصر والسعودية وتركيا وسوريا والعراق، وتكمن خطورة هذا التحول، كما يشرح التقرير، أن الممر الاقتصادي قد يعمل في حده الأساسي من دون إسرائيل؛ فمشروع "طريق التنمية" العراقي التركي، وإحياء النقل البري من الخليج عبر الأردن وسوريا، ينتجان سلاسل توريد تلتف على إسرائيل.

هنا تتراجع حيفا من "البوابة الوحيدة" إلى واحد من بين خيارات أخرى، وتصبح سوريا، التي كانت لعقود ساحة تهديد عسكري، بوابة منافسة في الاقتصاد السياسي الجديد.

التوتر الإسرائيلي التركي لا يبدأ من سكة الحجاز، في شرق المتوسط، بل يتقاطع منذ سنوات حول الغاز، اليونان، قبرص، ليبيا، ومكانة تركيا كدولة عبور للطاقة. وتشرح دراسة صادرة عن معهد القدس للإستراتيجية والأمن بقلم يهوشوع كراسنا أن التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص في مشروع أنبوب "شرق المتوسط" تحدى طموح تركيا لأن تكون لاعب الطاقة المركزي في المتوسط، وخلق احتمال احتكاك بحري بين الطرفين.

التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص في مشروع أنبوب شرق المتوسط تحدى طموح تركيا في مجال الطاقة (منصة اكس)

كما يوضح معهد دراسات الأمن القومي أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 أثار قلق إسرائيل واليونان وقبرص ومصر، لأنه عرقل خطط أنبوب شرق المتوسط ووسع التوتر حول الطاقة والحدود البحرية.

لذا فالممر الجديد ليس حدثا منفصلا، ولكنه حلقة إضافية في صراع جغرافي طويل: من غاز المتوسط إلى خطوط سوريا، ومن حيفا إلى الفاو، ومن قبرص إلى باب المندب.

الحلقة الأخرى تقع في القرن الأفريقي حيث اعترفت إسرائيل بإقليم أرض الصومال نهاية عام 2025 فتح جبهة سياسية جديدة مع تركيا، لأن أنقرة هي الشريك الأهم للصومال، وتدير نفوذًا واسعًا هناك أمنيًا واقتصاديًا.

وقد وصف تقرير عساف روزنزويغ في القناة 12، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، الخطوة بأنها "ضربة مباشرة لتركيا"، التي تملك في مقديشو أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها.

تصاعد الدخان بعد انفجار على متن سفينة شحن يونانية بعد تعرضها لهجوم من الحوثيين في البحر الأحمر (رويترز)

وفي موقع "غلوبس"، شرحت شيري فاين-غروسمان، المديرة العامة لمعهد علاقات إسرائيل أفريقيا والمسؤولة، رئيسة الساحة الإقليمية سابقا في قسم الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أن العامل المركزي في الاعتراف بإقليم أرض الصومال كان أمنيا إستراتيجيا لأن سواحل الإقليم تقابل اليمن وتساعد إسرائيل في التعامل مع تهديد الحوثيين بشكل أفضل، حيث سيكون لها نفوذ في منطقة تبعد عنها مسافة تقارب 2000 كيلومتر، لكن الباحثة حذرت أيضا من سيناريو اصطفاف إقليمي ضد إقليم أرض الصومال، بما يضع إسرائيل أمام اختبار جديد.

ولعل أهم ما تكشفه هذه القراءات هو أن الخليج، وخصوصًا السعودية، يتحرك وفق منطق مختلف بعد الحرب على إيران، ففي مرحلة سابقة، كانت إسرائيل تُعرض في بعض العواصم كجدار ردع ضد إيران، وبوابة إلى التكنولوجيا والأمن والتطبيع.

أما اليوم فتظهر زاوية أخرى، فإسرائيل قد تكون قوة مفيدة في مواجهة إيران، لكنها قد تتحول أيضا إلى أكبر مصدر اضطراب إذا جرّت المنطقة إلى حرب طويلة، أو عطلت الممرات البحرية، أو صعّدت في غزة ولبنان وسوريا.

إعلان

لذلك لا تقرأ الرياض الممر التركي-السوري كمشروع ضد إسرائيل فقط، بل كجزء من سياسة تنويع تستفيد من تقوية سوريا، وتفادي الارتهان لحيفا، والحفاظ على هامش تحرك مع تركيا، وعدم رهن التجارة بمسار يرتبط بالتطبيع فلسطيني إسرائيلي، وهذا هو ما يجعل تهديد الممر الجديد صامتًا، فهو لا يهاجم إسرائيل، لكنه يقلل الحاجة إليها في الحسابات الخليجية.

في الخلاصة، فإن تركيا لا تنافس إسرائيل على سكة حديد فحسب، بل على معنى الجغرافيا في الشرق الأوسط، وهكذا فإن الحرب على إيران وإغلاق هرمز وباب المندب كلها عوامل جعلت الخليج يبحث عن طرق لا تُعرّضه لحروب إسرائيل، وإذا نجحت أنقرة والرياض ودمشق في بناء ممر بديل، فقد تخسر إسرائيل أخطر ما كانت تراهن عليه: أن تكون جسرًا لا يمكن تجاوزه.

المصدر: الصحافة الإسرائيلية

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink