Categories
أصوات من خيام غزة.. الغناء يفتح ممرا للناجين من الفقد
أصوات من خيام غزة.. الغناء يفتح ممرا للناجين من الفقد
استمعاستمع (11 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 42 ثانية play-arrow02:42إسراء طارق الرمليPublished On 26/6/202626/6/2026غزة- يتخذ الغناء موقعًا متقدمًا في مواجهة واقع الحرب في غزة، بوصفه فعلاً ثقافياً وإنسانياً يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وداخل خيام النزوح ومراكز الإيواء، تتشكل مساحات جديدة للتدريب والتعبير، حيث يواصل الأطفال تعلم الغناء.
ويبتكر المدربون أدواتهم من المواد المتاحة، فيما يحمل الفنانون أصواتهم إلى المخيمات والمستشفيات، ساعين إلى ترسيخ حضور الفن في حياة الناس رغم الخسارات المتراكمة.
وتفتح هذه العودة سؤالا إنسانيا أوسع: كيف يجد الأطفال والشباب في غزة طريقهم إلى الغناء في وقت تحاصرهم الخيمة والذاكرة والخوف؟ وكيف يتحول الصوت إلى مساحة لحفظ الراحلين، وتفريغ وجع الناجين، وبداية صغيرة للحياة؟
بين محمد أبو مطر، الناجي الوحيد من فرقة مداحي مخيم جباليا، والطفلة ملك التلمس التي نجت بعد استشهاد عائلتها وبقيت ترعى أختها الصغرى، وفؤاد خضر، منسق مشروع الموسيقى التابع لمعهد إدوارد سعيد في مدينة غزة، وعبد الله نطط، الفنان الذي عاد للغناء على كرسي متحرك بعد بتر قدميه، تتشكل حكاية عن فن يبقى مع الناس، ويحمل أصواتهم وسط الفقد.
في سهرة المديح، كان محمد عبد الكريم أبو مطر يبدأ المقطع، ثم يعرف أن صوت نبيل سيدخل بعده، وأن يوسف سيلتقط اللازمة، فيما سيرفع براء الإيقاع، وأن عماد أبو المعزة سيكمل المجلس بصوته الحافظ للطريق. كانوا 5 في "فرقة مداحي مخيم جباليا"، يفهمون بعضهم من النظرات، ويوزعون المقاطع كأن السهرة تحفظ أماكنهم واحدا واحدا.
واليوم، يبدأ محمد المقطع ذاته وحده، في تلك اللحظة الصغيرة بين صوته والصمت، تظهر القصة كاملة وهي رجل بقي من فرقة، وصوت ينتظر من يكمله بعد استشهاد أشقائه نبيل ويوسف وبراء في مجزرة طالت أقاربهم يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ثم استشهاد صديقه عماد بعد شهر من رحيل الجميع، صار محمد الناجي الوحيد من فرقة كانت تحيي مناسبات المخيم بالمديح والذكر وخدمة الناس.
إعلان"كنت كلما أتضايق أذهب للمديح، أجمع إخوتي وصاحبي عماد ونبدأ، فيخف الهم بين أصواتنا. اليوم أغني وحدي، وفي كل حفل أفتقدهم، صار الهم جبالاً، وصار المديح يحمل وجعي معي"، يقول محمد للجزيرة نت.
وتمتد قصته إلى خيام تدريب أخرى في غزة، حيث يحاول الأطفال والشباب التقاط الصوت من موقع مختلف. هناك، داخل خيمة مدرسة ذكور الشاطئ، تظهر الموسيقى في حياة فتيات فقدن بيوتهن وعائلاتهن، ووجدن في الموسيقى مساحة للتعبير والخروج من ثقل الحرب.
وفي خيمة المدرسة، تدخل ملك التلمس (15 عاما) وهي من رائدات تدريبات معهد إدوارد سعيد، مثقلة بهمّين في وقت واحد؛ فقدان عائلتها كاملة، ورعاية أختها الصغرى بيان التي ترافقها في كل طريق.
وصلها خبر استشهاد العائلة وهي على سرير المستشفى، وتقول للجزيرة نت: "في لحظة واحدة فقدت عائلتي كلها، وأسقطوا الخبر على مسامعي دفعة واحدة خلال علاجي، والآن أتلقى الرعاية من جدتي".
كانت آلة خالها قد بقيت تحت الركام، ثم وجدت في غيتار المعهد مساحة تعيد إليها صلتها بالصوت والعزف. وتضيف "كان الغيتار مواساتي في أشد أيامي إيلاما، أحمله تحت ذراعي، وأبدأ عزف مواجعي".
وفي ذلك المشهد، ظهر أثر التدريب بوضوح، حيث بعد العزف، خفّ بعض ثقل وجه ملك، في صورة تعكس ما تفعله الموسيقى حين تجد طريقها إلى طفل فقد عائلته؛ تمنحه وقتًا قصيرًا للتعبير، وتفتح أمامه فرصة للعودة إلى صوته، ومشاركة من بقي معه في الحياة.
بدورها، اهتدت ميار الطحان (14 عاما) إلى الغيتار بعد طريق طويل من الحزن والألم، حيث فقدت والدها وبيتها، ونزحت مع عائلتها مرات عدة، وسط استهدافات إسرائيلية تركت داخلها خوفا ممتدا وحالة اكتئاب قاسية. ثم التحقت بمدرسة تعليمية، وسمعت هناك بإعلان حول دورات موسيقية في المركز، فاختارت آلة الغيتار بحثًا عن مساحة تخرجها من ثقل ما عاشته.
وفي الحصة، تمنح ميار أصابعها مهمة جديدة فوق الأوتار، تتعلم كيف تضبط النغمة، وكيف تتابع الإيقاع، وكيف تمنح وقتها داخل الخيمة معنى مختلفًا عن يوم النزوح. وبدأت تجد في العزف طريقًا تدريجيًا لاستعادة التركيز والحضور بين زميلاتها.
في الخيام ومراكز الإيواء
وفي ذروة الحرب وتحت القصف، عاد منسق مشروع الموسيقى التابع لمعهد إدوارد سعيد في شمال قطاع غزة، فؤاد خضر، إلى الموسيقى في مطلع يناير/كانون الثاني 2024؛ فقد كان ابنه يمر بحالة نفسية صعبة، فصار البحث عن الموسيقى محاولة لإنقاذه أولاً، ثم تحول إلى مشروع أوسع لإحياء التدريب الموسيقي بين الأطفال في مراكز الإيواء والخيام.
من تلك البداية، خرجت الأنشطة إلى مراكز النزوح، حيث حاول المدربون خلق مساحة آمنة للأطفال عبر الغناء الجماعي، والإيقاع، وتعليم الآلات، وسط واقع انهارت فيه البنية الموسيقية بعد تضرر المراكز والآلات.
وتأسس معهد إدوارد سعيد في تل الهوى بمدينة غزة، وارتبط اسمه بتعليم الموسيقى والجوقات والآلات لسنوات. وخلال الحرب، تضرر مقره بعد إصابته بعدة قذائف، ما أدى إلى أضرار جزئية طالت الغرف الصفية والآلات الموسيقية.
إعلانومع تعطل المكان الأساسي، استكمل المعهد عمله في مراكز الإيواء ومناطق النزوح، منها مخيم النصيرات، ودير البلح، ومدينة غزة، بقيادة أساتذته ومتدربيه وطلابه، عبر دروس الجوقات، وكورال الغناء، والآلات الموسيقية.
وفي ظل شح الآلات الموسيقية وتلف كثير منها، لجأ المدربون والطلاب إلى بدائل بسيطة، حيث تحولت غالونات المياه وتنكات المعلبات إلى أدوات إيقاع لتعليم الأطفال، وصارت خيم النازحين مراكز صغيرة للدروس الموسيقية.
ويقول خضر للجزيرة نت إنهم عملوا على مسارات عدة، بينها تعليم الموسيقى، وبرامج لا منهجية، وأنشطة ترفيهية تساعد الأطفال على التفريغ النفسي بعد صدمات الحرب. والتدريبات تستهدف الفئة العمرية من 7 إلى 16 عاما، وتُنفّذ حاليًا داخل خيم أُعدّت قدر الإمكان كمساحات آمنة ومهيأة لظروف الأطفال بعد تضرر المقر.
كما تعاون المعهد مع مراكز ثقافية وتعليمية في غزة لتوسيع نشاطاته والوصول إلى أكبر عدد ممكن من مراكز الإيواء ونقاط تجمع النازحين. ويعمل المشروع اليوم عبر 3 نقاط تعليمية في قطاع غزة، بينها واحدة في منطقة الجلاء يتدرب فيها نحو 50 طالبا، ومثلهم في نقطة بمنطقة الشاطئ داخل مركز إيواء للنازحين.
وأقسى ما واجه المشروع، بحسب خضر، أن كل مجموعة يتم جمعها وتدريبها تبدأ بإظهار تحسن في الأجواء النفسية، ثم تأتي موجة نزوح جديدة فتتفرق الخيام والطلبة، ويبدأ الفريق من جديد في البحث عن مجموعة أخرى، فقد حضر أفراد بعض المجموعات يومين فقط قبل أن يدفعهم الهجوم الإسرائيلي والنزوح المتكرر إلى الانتقال من مكان إلى آخر.
ورغم ذلك، استمر المدربون في جمع مجموعات جديدة، وإعادة ترتيب الحصص، وتحويل كل مساحة متاحة إلى مكان يصلح للصوت والإيقاع.
واليوم، يواصل المشروع توسيع حضوره عبر الإعلان عن برنامج موسيقي جديد باسم "بدايات غزة"، بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مدرسة ذكور الشاطئ، ويشمل برنامج الجوقة، أي الغناء الجماعي، إلى جانب تعليم الكمان والغيتار والإيقاع والعود.
ويؤكد خضر أن أثر الموسيقى يظهر على الأطفال منذ اليوم الأول للتدريب ثم يتضح أكثر مع استمرار الحصص، عبر تحسن ملحوظ في حالتهم النفسية وتفاعلهم وثقتهم بأنفسهم. ويؤكد أن الموسيقى صارت وسيلة عملية لانتشال الأطفال من آثار الحرب، وتجميعهم من جديد كلما فرّقهم النزوح.
ومن فوق كرسي متحرك، عاد عبد الله نطط (31 عاما) إلى الغناء، بعد شهرين فقط من بتر قدميه إثر قصف مباشر طاله في 27 سبتمبر/أيلول 2024. وكان معروفا قبل الحرب كمطرب في الحفلات الشعبية والطربية، وخرج من تجربة الإصابة بخيار أن يبقى صوته في المكان، وأن يعود إلى الناس من الطريق الذي يعرفه.
حمل عبد الله غناءه إلى أماكن النزوح ومراكز الإيواء، بين الخيام والفرش المتقاربة وممرات المستشفيات، ويحضر بصوته قبل كرسيه، يغني للأطفال، ويقترب من حلقاتهم الصغيرة، ويشاركهم مقاطع شعبية وطربية، ويحوّل التجمع العابر إلى مساحة أداء قصيرة.
وعاد إلى الغناء محمولاً بخسارات كبيرة؛ فقد استُشهد شقيقه ووالدته بعد 7 أشهر قضاها في الجنوب بعيدًا عنهما، ثم جاء بتر قدميه ليضعه أمام تحول جسدي قاسٍ.
ويقول عبد الله إن الغناء هو الذي يحمله اليوم، وإن التغيير أصاب جسده فيما بقي صوته قادرًا على الوصول؛ لذلك يحرص على أن يراه الناس من خلال فنه قبل إصابته، كمطرب يملك حضورًا ورسالة، وصاحب تجربة يحوّل الإصابة إلى طاقة أداء.
عبد الله نطط خلال حفل للأطفال في مدرسة لإيواء النازحين حيث عاد بعد شهرين من إصابته وبتر ساقيه (الجزيرة)
إعلان المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةسياسة|فلسطين