Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 13, 2026👁 0 views

شاهد.. ماذا تبقى من أحياء صور التاريخية بعد الغارات الإسرائيلية؟

شاهد.. ماذا تبقى من أحياء صور التاريخية بعد الغارات الإسرائيلية؟

استمعاستمع (8 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 03 ثانية play-arrow02:03نجية دهشةPublished On 13/6/202613/6/2026|آخر تحديث: 21:21 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:21 (توقيت مكة)

جنوب لبنان – عند مدخل مدينة صور، الساحلية الممتدة بين زرقة البحر وطبقات التاريخ في جنوب لبنان، لا يستقبل الزائر مشهدا صاخبا كما قد يُتوقع في هذا الوقت من العام، بل سكونا ثقيلا يشي بما هو أعمق من الهدوء.

حركة السيارات خافتة على نحو يلفت الانتباه، والطرقات تبدو أقل ازدحاما من أيامها المعتادة، فيما تقف بعض الواجهات التجارية شاهدة على ما جرى، لا تزال آثار الزجاج المتناثر تكسو أرضياتها وجدرانها، وكأنها لم تخرج بعد من تحت غبار الحرب.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وعلى امتداد المشهد في المدينة، تصطف مبان سكنية ومحالّ تجارية متضررة بصمت، واجهاتها المنهكة توحي بأن صور ما زالت تلتقط أنفاسها على مهل.

بعض الأبنية تبدو غير صالحة للسكن نتيجة الأضرار الكبيرة (الجزيرة)

في الأيام الأخيرة، عادت صور إلى واجهة المشهد من جديد، بعدما طالتها غارات إسرائيلية استهدفت أحياء سكنية داخلها من دون إنذارات مسبقة، لتترك وراءها سلسلة من الصور الممتدة من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى آخر، حيث يصعب العثور على زاوية لم تمسّها آثار القصف.

الركام هنا ليس تفصيلا عابرا في المشهد، بل هو العنصر الأكثر حضورا. حجارة متناثرة على الأرصفة، أبواب اقتُلعت من مكانها، نوافذ تحوّلت إلى فراغات سوداء مفتوحة على الهواء، وبقايا أثاث ما زالت عالقة بين أنقاض البيوت.

وفي بعض الأزقة، تتكدّس الأنقاض كأنها سقطت دفعة واحدة، لتضيّق الشوارع إلى حدّ يكاد يمنع العبور، فيما يظل الغبار معلقا في الهواء كأثر لم يهدأ بعد منذ اللحظة الأولى للغارات.

دمار هائل طال ممتلكات السكان (الجزيرة)

في حي الصاوي، يقف محمد برشللي أمام منزل لم يعد يشبه ما كان يعرفه، يشير إلى الطابق العلوي الذي تهدّم بالكامل، مستعيدا لحظة قصيرة اختصرت سنوات من التعب والعمل، يقول للجزيرة نت إنه كان في الحي لحظة الغارة، وإن انفجارا عنيفا دفع السكان إلى الركض وسط حالة من الذعر والارتباك، ثم أضاف بصوت مثقل: "كل شيء تدمر ولم يعد هناك ما يمكن العودة إليه".

إعلان

لكن مشهد الدمار لا يتوقف عند حدود منزل واحد. فبين الأبنية المتجاورة، تبدو آثار الشظايا واضحة على الجدران، فيما تحوّلت بعض الشقق إلى مساحات مكشوفة على السماء بعد انهيار أجزاء من جدرانها الخارجية. وعلى الأرض، تتناثر بقايا الزجاج والإسمنت في كل اتجاه، كأنها طبقة إضافية تغطي تفاصيل الحياة السابقة.

وفي منزل آخر تضرر بشكل بالغ، يصرّ علي عبد القادر الشيخ على البقاء، رغم كل ما حدث. داخل غرفة لم تطلها الأضرار بشكل كبير، يستمر في حياته اليومية مع شقيقه ربيع أحيانا، أو وحيدا في أحيان أخرى. يقول للجزيرة نت إن مغادرة المنزل ليست خيارا مطروحا بالنسبة إليه، ويختصر موقفه بجملة واحدة: "لن أهرب، سأبقى هنا مهما حصل".

عند مدخل مدينة صور، يغيب المشهد الصاخب المتوقع في هذا الوقت من العام (الجزيرة)

ومع الانتقال بين أحياء صور، يتضح أن ما جرى ليس حالة معزولة، بل مشهدا واسعا يمتد على كامل الخريطة العمرانية، الركام يملأ أطراف الشوارع، وأجزاء من الأبنية المهدمة تمتد إلى الطرقات نفسها، فيما تحاول بعض العائلات فتح ممرات ضيقة وسط الأنقاض للوصول إلى منازلها أو انتشال ما تبقّى من مقتنياتها.

وفي شوارعها التجارية، تغيّرت الواجهة بالكامل. محال الملابس التي كانت تضج بالألوان والواجهات المنظمة، باتت اليوم خلف زجاج محطّم تتدلى منه قطع قماش مغطاة بالغبار. أما محال الحلويات، التي كانت تفوح منها رائحة الحياة، فقد تحوّلت إلى فضاءات صامتة، تتناثر داخلها الصواني المقلوبة وعلب الحلوى المكسورة، كأن الزمن توقف فجأة في منتصف يوم عادي لم يكتمل.

بعض اللافتات ما زالت معلّقة، لكن حروفها باهتة تحت طبقة من الرماد، فيما يقف أصحاب المحال عند الأبواب بصمت طويل، يحدّقون في ما تبقّى من تفاصيل أرزاقهم التي كانت يوما حياة كاملة.

الأزقة شبه خالية في حارة المسيحين بعد الإنذار بالإخلاء الإخير (الجزيرة)

وفي حارة المسيحيين داخل المدينة، يبدو المشهد أكثر هدوءا لكنه ليس أقل ثقلا، الأزقة شبه خالية، وكأن الحركة التي كانت تميّز المكان تقلّصت تحت ضغط التوتر والإنذارات الأخيرة. الكنائس تقف خلف أبواب موصدة، شاهدة على سكون غير مألوف، فيما لا يظهر في الشوارع إلا عدد محدود من السكان.

المحال التجارية هناك تحاول استعادة نبضها بصعوبة، بضائع لم تُرتّب منذ أيام، ووجوه المارة تعكس قلقا واضحا، مع نظرات متكررة نحو السماء والأزقة الجانبية، وخطوات محسوبة كأن كل صوت قد يحمل احتمال خطر جديد.

وعلى مدخل الحارة، يتمركز عناصر من الجيش اللبناني لتنظيم الحركة وطمأنة الأهالي، حضورهم يضيف طبقة إضافية من الحذر، ويختصر مشهدا يتأرجح بين محاولة الناس التمسك بحياتهم اليومية، وبين ظلّ الخوف الذي لا يغادر المكان.

المحال التجارية في حارة المسيحيين تحاول استعادة نبضها بصعوبة (الجزيرة)

ولم يقتصر هذا المشهد على الأحياء السكنية، بل امتد أيضا إلى المواقع الأثرية في المدينة، حيث لحقت ببعض معالمها التاريخية أضرار جديدة، أضافت بعدا ثقافيا إلى حصيلة خسائر الحرب.

فقد استهدف القصف الإسرائيلي مبان مجاورة لموقع صور التراثي، حيث سقط أحدها على مكتب إداري داخل الموقع، ما أدى إلى تضرر قطع أثرية بفعل تراكم الأنقاض فوقها، كما امتدت الأضرار إلى الأعمدة وتيجانها وقواعدها، إلى جانب أجزاء من الفسيفساء الأثرية.

إعلان

وقد أُدرجت مدينة صور على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) منذ عام 1984، ما يجعل أي ضرر يلحق بها موضع إدانة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات.

بعض المواقع الأثرية في صور تعرّضت لأضرار متفاوتة نتيجة الغارات الإسرائيلية (الجزيرة)

وقال نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين للجزيرة نت إن ما جرى يشكّل "جريمة جديدة في محيط الآثار"، موضحا أن غارة وقعت بالقرب من الموقع وألحقت به أضرارا، رغم وجود لافتات واضحة تشير إلى طبيعته التراثية. وأكد أن "مدينة صور يتجاوز عمرها 5 آلاف عام، وأي استهداف داخلها هو استهداف مباشر للتاريخ والثقافة والحضارة المتراكمة عبر آلاف السنين".

وأضاف أن مبنى ملاصقا للموقع الأثري تعرّض للاستهداف، ما أدى إلى أضرار في التيجان والأعمدة يمكن رؤيتها بالعين المجردة، واصفا ما حدث بأنه "عمل همجي"، ومعتبراً أن الحماية المفترضة للمدينة بموجب إدراجها على لائحة التراث العالمي لم تُترجم إلى واقع.

وشدد على أن استهداف هذه المواقع يتجاوز حدود الدمار المادي، ليطاول إرثا حضاريا كاملا يمتد من الماضي السحيق حتى الحاضر.

ورغم كل ذلك، لا تزال صور تحاول التمسك بإيقاعها الخاص، بين حي متضرر وآخر أكثر هدوءا. وبين منزل مهدّم وآخر ما زال مأهولا، تبدو المدينة كأنها تعيش بين طبقتين متداخلتين: طبقة حياة تحاول الاستمرار، وطبقة ركام تفرض حضورها في كل زاوية.

 

بعض الأبنية الأثرية في صور فقدت أجزاء من تفاصيلها المعمارية الدقيقة (الجزيرة)

 

الأحياء تبدو خالية من السكان (الجزيرة)

 

بعض الواجهات التجارية ما زالت تحمل آثار الزجاج المتناثر (الجزيرة)

 

الأنقاض تغزو مدينة صور التاريخية والسياحية (الجزيرة)

 

الركام يغطي أجزاء من الطرقات ويعيق الحركة في بعض الأزقة (الجزيرة)

 

مبانٍ سكنية ومحال تجارية متضررة (الجزيرة)
المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةسياسة|أمكنة|لبنان