Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 4, 2026👁 0 views

باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجان

باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجان

استمعاستمع (21 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 12 دقيقة 06 ثانية play-arrow12:06محمد خيالPublished On 5/7/20265/7/2026

حرر رواياته قبل أن يتحرر هو، وهزم السجان بالكلمة قبل أن يغادر الزنزانة، وحين خرج بعد 21 عاماً من الأسر، لم يجد الحرية التي ظل يكتب عنها، بل وجد نفسه في منفى يرى منه فلسطين ولا يستطيع الوصول إليها.

دخل خندقجي السجن شاباً، محكوماً بأحكام بلغت في مجموعها نحو 300 عام، لكنه حول الزنزانة إلى مساحة الإبداع، رغم قسوة السجان، وانتزع من قلب الأسر انتصاراً استثنائياً بفوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية ، ليصبح أحد أبرز الأصوات الأدبية الفلسطينية التي كتبت الحرية من خلف القضبان.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

على مدار أكثر من عقدين لم ينجح السجن في مصادرة خياله ولا كلماته؛ فمن قلب الزنزانة كتب نصوصه التي شقت طريقها إلى العالم.

يتحدث خندقجي للجزيرة نت بصوت يحمل آثار الزنزانة والمنفى معاً، فيحكي عن الصدمة الأولى عندما رأى رفح المدمرة، وعن الأسرى الذين تركهم خلفه، وعن الحرية الناقصة التي لا تكتمل ما دام ممنوعاً من العودة إلى وطنه. ويكشف كيف كانت الروايات تُكتب بعيداً عن أعين السجان وتُهرَّب من المعتقل، ولماذا أصبحت الكتابة بعد الحرية أصعب من الكتابة في الأسر، وكيف يرى أن الأدب لم يعد مجرد مقاومة، بل تحول إلى جبهة اشتباك لإعادة بناء السردية الفلسطينية. إنه حوار لا يروي سيرة أسير محرر فحسب، بل شهادة كاتب انتزع من السجن رواية، ومن الرواية حرية لا تزال تبحث عن وطن.

الأسير المحرر باسم خندقجي يحمل كتبه (الجزيرة)
  • 21 عاماً قضيتها في الأسر بالسجون الإسرائيلية، فما الصورة التي لا تفارق تفكير أو تلازم باسم خندقجي طوال هذه السنوات؟

وضع الأسرى الصعب داخل السجون، فعلى سبيل المثال، بالأمس قمت بإطفاء المكيف في البيت الذي أسكن فيه، رغم موجة الحر الشديدة التي نمر بها، لأنني تذكرت للحظة واحدة معاناة الأسرى داخل السجون في هذه الأوقات. وعندما كنت معهم هناك، كنت أشعر أننا نعيش في الجحيم، في فصل الصيف تحديداً.

إعلان

عند تلك اللحظة شعرت أنني لا أستطيع أن أمارس حياتي كإنسان طبيعي، ما دام هناك أسرى ورفاق درب داخل المعتقلات، تحديداً في هذه الظروف التي يعاني فيها الأسرى إبادة حقيقية على كافة المستويات.

  • هل تشعر الآن أنك تحررت وخرجت من السجن بالفعل، أم تشعر أنك تركت جزءاً منك في الزنزانة؟

أستطيع أن أجيب عن هذا التساؤل من ناحية أخلاقية، حيث إنني يجب أن أعيش حريتي بكافة تفاصيلها، لكي أعبر عن مدى عرفاني وامتناني لهذا الشعب العظيم الذي دفع كل هذا الثمن الباهظ من أجل حرية الأسرى، مقابل أيضاً تحقيق الأهداف التحررية للشعب الفلسطيني.

بمعنى أن الحرية تصبح، في هذا الجانب، مطلباً أخلاقياً يجب أن نقوم به، لكي نثبت للعالم أننا نستطيع أن نعيش. وهذا لا يعني أن بعض أصداء السجن لم تعد تجول في ذهني، خاصة أن هذه تجربة طويلة عمرها 21 عاماً قضيتها في السجون الصهيونية، وهي فترة ليست بالشيء اليسير، ولم تكن رحلة في متنزه، حيث كانت هناك صدمات وتأثيرات نفسية كثيرة.

  • الشيء الذي لا يفارق ذهنك حتى الآن، هل هو السجان أم الجدران أم موقف معين لا يزال يترك آثاره على روحك ونفسك؟

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 – وللأسف – بسبب كثرة الأحداث والصور التي ما زالت راسخة في ذاكرتي، من الصعب أن أشير إلى موقف معين، لأنه كان الوضع، على مدار الساعة، تعرض الأسير لكافة أشكال القتل والمعاناة والتعذيب والتنكيل.

فعلى سبيل المثال، من بين تلك المواقف، عندما كنت أتعرض للضرب دون سبب، وكنت أتساءل: لماذا يقومون باقتحام زنزانتي ويضربونني؟ فأجد أن الإجابة هي أنهم يمارسون ذلك من أجل الاستمتاع السادي، فهم يضربون فقط من أجل الضرب، ويتركونني في ساحة السجن، سواء في البرد القارس أو الحر الشديد.

فهم اتخذوا، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، قراراً بإلحاق الحركة الأسيرة في السجون بسياسات الإبادة الجماعية التي ينفذونها بحق شعبنا في الخارج. فهم قاموا بمشروع وخطة كاملة مفادها كيف يقومون بتفكيك إنسانية الأسرى الفلسطينيين، وما زالوا يمعنون في هذا حتى هذه اللحظة. فهم يستخدمون سياسة التجويع، والتعذيب النفسي المبتكر، وهي أمور لم نكن نعاني منها قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.

  • هل مثل لك الواقع خارج السجون صدمة عقب التحرر؟

بالطبع، السبب في هذا أننا، عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول، وعلى مدار عامين قبل التحرر، تعرضنا لعملية عزل كاملة في السجون، ولم نكن نعلم حتى حجم الدمار الفادح الذي تعرض له شعبنا.

وكانت الصدمة الأولى عندما انتقلنا، بعد التحرر، من فلسطين المحتلة إلى الجانب المصري، وظهرت لنا رفح الفلسطينية من وراء الجدار الحدودي، ولمحنا حجم الدمار أثناء وجودنا في الحافلة التي تقلنا، وكان هذا بمثابة صدمة كبيرة.

بالإضافة إلى صدمات أخرى، منها على سبيل المثال عندما اكتشفت، بعد الصفقة التي خرجنا بموجبها، أنه لم يعد لدى المقاومة جنود إسرائيليون أسرى آخرون، وكانت هذه الصدمة الأشد إيلاماً لنا كأسرى محررين، لأننا تذكرنا في تلك اللحظة إخوتنا الذين تركناهم خلفنا في السجون الإسرائيلية، وتحديداً من أصحاب الأحكام المؤبدة، والذين ودعونا وهم يقولون لنا إنهم سيلتحقون بنا قريباً.

إعلان
  • كان لديكم ولديهم أمل أن يكون لدى المقاومة أسرى إسرائيليون آخرون حتى يرى أسراكم النور؟

بالطبع. وبصراحة، أنا علمت أنه لم يعد هناك جنود أسرى آخرون لدى المقاومة من ضابط أمن الشاباك الصهيوني الذي أجرى معي التحقيق قبل مغادرتي السجن.

وسألته: ما هي تفاصيل الصفقة؟ فقال لي بالحرف: أنتم الذين ستخرجون الآن، وكل الجنود الأسرى في غزة.

وحينها كنت أعتقد أنه يكذب، إلى أن قال لي أحد الإخوة المشرفين على ملف التفاوض: لا يوجد لدينا المزيد، لقد قمنا بعملية التبادل بكل ما لدينا.

فكانت الصدمة، فبقدر فرحة التحرر ونشوتها، كانت الخيبة والحسرة على من تركناهم.

  • لكن على المستوى الشخصي، هل تعرضت لصدمات منذ خروجك؟

بالتأكيد، على المستوى النفسي، أنا حتى الآن أعاني من نوبات ذعر، ولا أخجل عندما أقول إنني أسعى لترميم عالمي النفسي، وشفاء ما يمكن شفاؤه من جراحي النفسية التي أحدثها بي هذا العدو الصهيوني.

  • هل يشعر الأسرى في السجون أنهم حاضرون دائماً في الوعي الفلسطيني والعربي؟ وما هي طبيعة الصورة التي كنتم تتصورونها لحجم الاهتمام بقضيتكم خلال تواجدكم في السجن؟

على مدار تاريخ تطور الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، كان للأسير الفلسطيني مكانة تلامس القدسية في الوجدان الفلسطيني والمشهدية الوطنية الفلسطينية، فالأسير وصل إلى مصاف القديس بالنسبة لشعبنا، وتم تجسيده كثيراً في المشهدية الفلسطينية الفنية والثقافية، وكان حاضراً أيضاً على مدار السياق التاريخي.

لطالما زودت الحركة الأسيرة الحركة الوطنية بقيادات وكوادر من أجل العمل الوطني، تحديداً في الانتفاضة الأولى عام 1987، وأيضاً ما بعد ذلك، وكان هناك تأثير شبه مباشر للأسرى، قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، في السياسة الفلسطينية، من أهمها وثيقة الوفاق الوطني التي صيغت داخل السجون الصهيونية، وأشرف على صياغتها الأخ القائد مروان البرغوثي.

وأيضاً كان من أهم أهداف 7 أكتوبر/تشرين الأول المشروعة تحرير الأسرى، وأنجزت بالفعل هذا الهدف بقدر استطاعتها، لكن للأسف، بعد التحرر، نلمس في بعض الأحيان وعلى بعض المستويات إنكاراً لتضحيات الأسرى الفلسطينيين، ونحاول أن نخفي خيبة الأمل هذه لأن هناك أولويات أخرى.

  • الإنكار الذي تشير إليه لتضحيات الأسرى، هل هو فلسطيني أم عربي؟

هو على مستويات فلسطينية معينة، فنحن نطالب بحقوقنا المشروعة كأسرى محررين، وأولاً وأخيراً مناضلين دفعنا من عمرنا ثمناً كبيراً وباهظاً في سبيل تحرر شعبنا، وسندفع، ولن نندم على ما قمنا به في لحظة من اللحظات.

لكن من حق الأسير الفلسطيني المحرر أن يسهم في المشهد السياسي، وأيضاً الثقافي، بطريقة بناءة وواعية. فأنا حالياً، بحكم تجربتي الخاصة، أستطيع أن أقول إنني بصدد أن أسهم في هذا المشهد الأدبي والثقافي، وأن أكون جزءاً من إعادة بناء السردية الأدبية، بمشاركة العديد من الكتاب والكاتبات الفلسطينيين.

"أنفاس قصيدة ليلية" (الجزيرة)
  • تحررت من جدران السجن، لكن فوجئت بأنكم مبعدون عن وطنكم ولا تستطيعون الوصول إليه كأسرى مبعدين.. كروائي وأسير محرر مبعد، ماذا يعني لك أن ترى فلسطين قريبة، لكنك ممنوع من الوصول إليها أو دخولها؟

الانتقال من السجن، بشكل مفاجئ، بعد سنوات كثيرة، إلى المنفى، رغم أنني لا أحب أن أسمي مصر منفى، فهي الوطن الأكبر، لكنني أشعر بالغربة، وهذا شعور طبيعي، فأنا أجول في شوارع وأزقة ليست أزقتي، وليست شوارعي، وليس لي فيها ذكريات، وهو شعور خارق للمشاعر الإنسانية، ويسحقها في بعض الأحيان، أن أكون قريباً من فلسطين وليس بإمكاني العودة إليها.

فأذهب، على سبيل المثال، إلى مدينة الإسكندرية المصرية، وأضع يدي في بحرها لأشعر ببحر غزة ويافا. هذه لحظات صعبة وقاسية، لكنها، من وجهة النظر الأدبية، فيها جمالية ما، وهذه الجمالية تسمح للكاتب أن يعيد تشكيل وطنه في مخيلته الإبداعية والروائية، ولهذا أنا اليوم أقولها بألم: إنه ربما كان قدر الكاتب الفلسطيني أن يكتب وطنه من بعيد، وهو محروم منه.

أعمال أدبية لباسم خندقجي (الجزيرة)
  • كيف كان يُكتب الأدب الفلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، وأنت صاحب تجربة فريدة بحصولك على الجائزة العالمية للرواية العربية؟

إعلان

الأدب في السجن يتحول إلى مقاومة، وهذا يعني أن الكتابة في المعتقل هي فعل صمود وتحد للسجان، وتصبح العلاقة بين السجين وسجانه علاقة خطرة وملاحقة، ولكنها علاقة متوترة تمنح الكاتب الأسير القدرة على الكتابة بطريقة مغايرة عن الكتابة خارج المعتقل.

أيضاً، للكتابة في المعتقل شروطها، ومنها الكثافة والتركيز، وفي بعض الأحيان العجلة، لأن النص وصاحب النص معرضان في أي لحظة للمصادرة. فأنا، على صعيد تجربتي، كنت أكتب في ساعات الفجر الأولى، لأن تلك الساعات تكون خالية من التفتيشات الليلية أو النهارية المباغتة، فكنت أشعر في تلك اللحظات أنني أملك زمام الكتابة، وزمام خيالي الذي يطلقني إلى عالم الحرية المتخيلة.

أيضاً، شهدت الكتابة، بعد عام 2012، تحولاً نوعياً في المستوى الأكاديمي والبحثي، خاصة عندما نجح الأسرى في إدخال بعض النماذج الجامعية من جامعات الوطن، وتحديداً جامعة القدس، وكان الأخ مروان البرغوثي هو من أشرف على هذا الموضوع، وهذا أثر في تجربتي الكتابية. فأنا حاصل على ماجستير في الدراسات الإسرائيلية، وهذا ساهم كثيراً في تفكيك المعرفة الصهيونية، والدخول إليها، والاشتباك معها، من أجل الخروج باستخلاصات ووجهات نظر مغايرة للرؤية العربية النمطية، بالإضافة إلى اكتسابي اللغة العبرية، التي كانت بمثابة غنيمة حرب بالنسبة لي.

ديوان الاسير باسم الخندقجي طقوس للمرة الاولى -اول مؤلفاته الشعرية التي اطلقه من سجنه عام 2010- بعد طباعته بين مكتبة عائلته (الجزيرة)
  • كيف كانت تخرج النصوص الأدبية من السجن بعد كتابتها؟

على مستوى تجربتي الشخصية، أستطيع أن أقول بكل فخر إنهم لم يتمكنوا من مصادرة كلمة واحدة أو حرف واحد، وأنني نجحت في تحرير كافة نصوصي ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول من داخل السجن إلى خارجه.

وكانت هناك عدة طرق وأساليب كنا نستخدمها في تحرير النصوص، من أهمها ما نطلق عليه "الكبسيلات"، وهي الأوراق التي كنا نقوم بطيها بطريقة معينة وتغليفها بالبلاستيك، ثم يقوم الأسير المحرر، قبل تحرره، بحملها، ومن ثم يتصرف بها عند خروجه. وهناك طرق أخرى لا أستطيع أن أذكرها حالياً، بحكم أن ما زال هناك أسرى يعانون في السجون، وما زالوا يستخدمون تلك الطرق.

الأسير الفلسطيني المحرر والمبعد باسم خندقجي (الجزيرة)
  • في اللحظة التي فزت بها بالجائزة العالمية للرواية العربية، هل وصلك صدى تلك الجائزة داخل السجن؟ وهل كان السجان يدرك أنه إزاء أحد الشخصيات الأدبية العربية في تلك اللحظة؟

قبل الحرب كنت أعلم أنني دخلت القائمة الطويلة لترشيحات الجائزة، بحكم أنه كانت لدينا أجهزة اتصال هاتفي مهربة، وعلمت بوصولي إلى القائمة القصيرة أثناء الحرب، في فبراير/شباط 2024، عن طريق مذياع مهرب، وبعدها تمت مصادرة المذياع ونقلي إلى سجن آخر وعزلي.

وفي يوم من أيام مايو/أيار 2024، غاب عن ذهني أنني سأصعد إلى المرحلة التالية في الجائزة، فكان كل ما يشغلني هو الصمود من الصباح حتى المساء، إلى أن قاموا باقتحام زنزانتي واقتيادي إلى التحقيق، وقام بالتحقيق معي ثلاثة من الضباط الصهاينة، وعلمت من تهديدهم ووعيدهم أنني فزت بالجائزة، لأنهم كانوا يركزون على كيفية تهريب نصوصي من المعتقل.

وقاموا بإعادتي إلى زنزانتي، حتى تأكدت من أحد الإخوة الذي كان يملك مذياعاً مهرباً، وما بعد ذلك بدأت المعاناة بالنسبة لي، فكنت أتعرض للضرب والإهانة مرة أو مرتين أسبوعياً، واستهدافي ليضربوا بي المثل في السجن، بأن هذا هو الكاتب الذي حصل على جائزة الرواية العربية، انظروا ماذا يحدث به. فكان كل ذنبي أن هذا الفلسطيني استطاع أن يكون إنساناً.

وأكثر ما أثر فيَّ كثيراً بعدها هو احتفال الأسرى الزملاء بي داخل السجن، حيث احتفلوا بي همساً حتى لا يسمعنا السجان، وهذا مثل لي الكثير.

في ذات الآونة جاء أحد الضباط الصهاينة وقام بتحطيم نظارتي الشخصية، وحينما قلت له: لا أستطيع أن أرى شيئاً بدونها، رد عليَّ قائلاً: "أنا أريدك أن ترى الظلام، ولا ترى شيئاً غيره". في تلك اللحظة، وبالرغم من الألم والعجز، إلا أنني شعرت بالانتصار.

  • الكتابة في السجن أصعب أم الكتابة خارج الزنزانة، في الحرية، أصعب؟

المفارقة الكبرى أن الكتابة خارج الزنزانة أصعب بكثير، فالكتابة الخطرة، والكتابة تحت الملاحقة، هي أجمل أشكال الكتابة، وأعمقها، وأثراها، وأشدها كثافة.

إعلان

الكتابة في السجن أسهل من ناحية عدم الانشغال بشأن آخر غير الكتابة، فهي أداة مقاومتي داخل السجن، وبدونها أشعر بالعجز أمام السجان. أما في عالم الحرية، فأنا أعتقد أنني بدأت أفهم عالم المنفى ببعده الأدبي والسردي، لكي أستطيع أن أصيغ تلك المعادلة التي ستؤهلني لكتابة نص جديد.

باسم خندقجي: الكتابة خارج الزنزانة أصعب بكثير (الجزيرة)
  • كيف ترى العلاقة بين الأدب والمقاومة؟

هي علاقة مشتبكة، واليوم نحن نتحدث عن مفهوم جديد في الأدب الفلسطيني، وهو أدب الاشتباك، الذي يستند إلى أدب المقاومة الذي تطرق إليه غسان كنفاني، ولكن أدب الاشتباك ينتقل إلى مستوى آخر، وهو مستوى إعادة بناء السردية الأدبية الفلسطينية، والاشتباك مع المعرفة الصهيونية، بطريقة تكفل تفكيك هذه المعرفة، واستعادة ملامحي الإنسانية كمناضل ومثقف وإنسان فلسطيني يستحق الحياة، ويصر على القول إنه لم يولد ليكون قاتلاً أو مقتولاً، فنحن ولدنا لنكون أحراراً، ومساوين لكل الأحرار في هذا العالم.

  • من هي مريم الجليلية في روايتك الجديدة التي حملت اسم "فراشات مريم الجليلية"؟

الإصدار الأخير لي هو الجزء الثالث من ثلاثية المرايا التي تضم (قناع بلون السماء وسادن المحرقة)، وهو أدب مشتبك. فمريم الجليلية في النص الأدبي هي الهوية الفلسطينية المستعادة، والسردية الفلسطينية المستعادة أيضاً بصوت نسوي أنثوي من الداخل الفلسطيني المستعمر منذ عام 1948.

فلسطينيو الداخل الذين سكت عنهم التاريخ الفلسطيني، وأسقطوا عن متنه، وتم تهميشهم وإقصاؤهم بحجة أنهم أصبحوا مواطنين في هذه الدولة العبرية.

وأيضاً أحاول أن أسلط الضوء في هذا المشروع على ما بين الفلسطيني في الداخل وبين المستعمر الصهيوني من جهة، وبين فلسطينيي الداخل وبين الفلسطينيين الآخرين من جهة أخرى، وبالتالي تصبح مريم الجليلية هنا هي الوجه المشتَهى لفلسطين التي نطمح إليها، من خلال تصديها للسردية الصهيونية.

  • بعد 21 عاماً في السجون الإسرائيلية، هل تشعر أنك اكتفيت من المقاومة، أو أنك أديت ما عليك، خاصة في ظل حديثك عن حالة إنكار لدى البعض لتضحياتكم؟

لا أعلم إن كان تطور موقفي أو نظرتي للمقاومة سببه صدمات السجن، لأننا لو تحدثنا في هذا الجانب فهذا يعني أن السجن قام بكسري، وهذا مستحيل الحدوث، فأنا أقاوم بكل ما أوتيت من وسائل.

فاليوم أقاوم بوسيلة السرد والكتابة، واكتشفت أن هذا السرد يؤذي المستعمر ويزعجه، وفي بعض الأحيان يجعله يخاف، لأن الفلسطيني بات يملك هذه القدرة على إعادة بناء سرديته، وعلى أن يحكي حكايته، وأن يقول للعالم ما الذي يحدث له.

أما على صعيد المقاومة، فأنا اليوم أحاول أن أسهم في بلورة مفهوم جديد للمقاومة الفلسطينية، وهي إعادة إحياء نماذج قديمة في النضال الفلسطيني، ومنها تجربة الانتفاضة الأولى، وهي المقاومة الشعبية الشاملة، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الجماهير في عملية النضال، بعيداً عن عسكرة هذه المقاومة أو تحويلها إلى مجموعة من الميليشيات فقط.

فنحن نريد أن نجيب على تساؤل: كيف نقوم بتحييد قواعد سلاح الجو الصهيوني دون أن نطلق رصاصة واحدة؟ بمعنى أن تشارك كل الجماهير الفلسطينية في هذه المسيرة النضالية بطريقة لا تعطي ذريعة للصهيوني في استخدام طائراته.

  • هل الكلمة يمكن أن تكون فعلاً مقاوماً أقوى من رصاص وسلاح المقاومة؟

الفكرة مضادة للرصاص، وأحياناً الفكرة هي من يخلق الرصاص.

وبالمناسبة، منذ عدة أسابيع، حرضت عليَّ الصحافة والأمن الصهيوني، ويقولون إن كلماتي أشد خطورة من الرصاص، في ذريعة منعي من لقاء أهلي وحرمانهم من السفر، ويقولون إن كلمات باسم تشكل علينا خطراً، وربما يكون هذا هو نفسه السبب الذي قتلوا من أجله غسان كنفاني، والعديد من الكتاب والباحثين الفلسطينيين، لأنهم يعلمون تماماً مدى أهمية السردية الفلسطينية وإيجاد الدوافع من أجل التحرر الوطني.

ولهذا أنا أتعامل اليوم مع الجبهة الأدبية كواحدة من أهم الجبهات، ولكن هذا لا يسقط الجبهات الأخرى، فالمقاومة المسلحة هي حق مشروع لنا كشعب يقع تحت الاحتلال الصهيوني، وهو حق مكفول في أدبيات مقاومة الاستعمار.

صورة قديمة للاسير باسم خندقجي معلقة عند مدخل مكتبة للعائلة وسط نابلس (الجزيرة)
  • بصراحة شديدة، وأنت تستعيد شريط ذكريات السجن وما سبقها وما تلاها، هل حدثتك نفسك بالندم؟

مستحيل، فالمناضل لا يندم، فلحظة الندم تنفي القيم النضالية، ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يفكر في إعادة النظر بشأن بعض الأدوات التي استخدمها.

ولكن إذا عاد بي الزمن مرة أخرى، لن أقدم إلا على ما أقدمت عليه سابقاً، فنحن كنا نواجه، ولا نزال نواجه، أشد القوى العسكرية عتواً في هذا العالم، وفي فترة الانتفاضة الثانية، عندما ناضلت وقررت أن أخوض الكفاح العسكري، عرفت في تلك اللحظة أنني أدافع عن وجودي في ظل هذا المحتل الذي دفع بكل ترسانته العسكرية في وجهي، وبالتالي فمن العار أن نندم على أي شيء فعلناه مجبرين.

  • في هذه اللحظة، ما الذي يقلقك بشأن القضية الفلسطينية: الاحتلال أم الانقسام الداخلي؟

يقلقني هذا وذاك، فنحن اليوم، كشعب فلسطيني، نعيش في نفق مظلم، والذي يقلقني أكثر هو أننا عالقون في هذا النفق، وهذا النفق أشد ظلاماً من نفق ما بعد النكبة عام 1948.

فنحن بعد النكبة استغرقنا عشرين عاماً لكي ننهض في معركة الكرامة عام 1968، ونبلور هويتنا الوطنية الفلسطينية. اليوم نحن عالقون في هذا النفق، وهذا يعود لعدة أسباب، أهمها غياب الوحدة الوطنية، وعدم ترجمة كل هذه الدماء التي سالت في غزة وغيرها من الأراضي المحتلة.

  • أخيرًا، كيف ترى مستقبل القضية الفلسطينية بين انقسام واحتلال ومجتمع دولي لا يعبأ بالقضية؟

اليوم هناك مخاطر حقيقية طالت الوجود الفلسطيني، وبالتالي فهي خطر يستهدف هذا الوجود الفلسطيني، ولكن الذي يجعلني متأكداً وموقناً أن هذه اللحظة لن تدوم هو تجربتي الشخصية، فأنا كانت صادرة بحقي أحكام مجموعها 300 عام، ولكنني قضيت منها 21 عاماً فقط، بفضل شعبي العظيم والمقاومة العظيمة.

وهذا يعني أن قدرنا كفلسطينيين ليس هذا الاستعمار، ولذلك أهم شيء يجب أن نحافظ عليه هو الأمل والصمود البناء، بمعنى أن تكون هناك قراءة حقيقية لمقاومة مجدية نستطيع من خلالها تحقيق إنجازات على أرض الواقع، وليس أن نعتاد الصمود.

المصدر: الجزيرةمقابلاتثقافة|شعر ورواية