Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicSep 11, 2026👁 0 views

لبنان أمام المعضلة الأصعب.. هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله؟

لبنان أمام المعضلة الأصعب.. هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله؟

استمعاستمع (19 دقيقة)

حفظ

شارِكْ لبنان أمام المعضلة الأصعب.. هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله؟ على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الفرنسية)
Published On 11/9/202611/9/2026

يصل لبنان إلى عتبة جولة ثامنة من المفاوضات مع إسرائيل برعاية أمريكية، لكن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بما إذا كانت هذه المفاوضات ستقود إلى انسحاب إسرائيلي أو وقف للحرب، بل بما يمكن أن تفعله بلبنان نفسه إذا استمر اختلال ميزان القوة، وظل حزب الله فاعلًا مسلحًا، وتصاعد الضغط على الدولة لحسم ملف سلاحه في الداخل.

هذا هو المدخل الذي تنطلق منه الورقة البحثية "لبنان في مواجهة التحدي الإسرائيلي: جدوى المفاوضات وآفاقها"، للباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات شفيق شقير. وتبحث الورقة مسار المفاوضات باعتباره جزءًا من مواجهة تحد إسرائيلي خارجي أصبح متداخلًا بصورة متزايدة مع الأزمة اللبنانية الداخلية وتوازناتها، وتسأل عن قدرة التفاوض على الاستمرار وتحقيق أهدافه في ظل التفوق الإسرائيلي، واستمرار حزب الله قوة مسلحة، وتعقيدات التوازن اللبناني: هل ينتهي المسار إلى تسوية، أم يصبح هو نفسه جزءًا من الأزمة الداخلية؟

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وتأتي الجولة المحتملة في سبتمبر/أيلول بعد الجولة السابعة التي عقدت في روما في أغسطس/آب 2026، فيما لا تتوقع الورقة اختراقًا كبيرًا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني.

إسرائيل تفاوض من موقع التفوق

ترجع الورقة إلى يونيو/حزيران 2026، عندما بلغ المسار التفاوضي ذروته بالتوصل في الجولة الخامسة إلى "الاتفاق الإطاري"، الذي وضع التفاوض على طريق إنهاء الصراع وصولًا إلى إقامة قنوات تواصل وعملية سلام بين لبنان وإسرائيل، رغم اعتراض حزب الله واعتراض حركة أمل وقوى أساسية في البيئة الشيعية على جوانب رئيسية منه.

ويقوم الإطار على إعادة انتشار تدريجية للقوات الإسرائيلية بالتوازي مع تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية على مراحل. ويبدأ ذلك بمناطق تجريبية ينتشر فيها الجيش بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله، وتفكيك بنيتها التحتية.

إعلان

لكن الورقة ترى أن الاتفاق يفتقر إلى التوازن في الالتزامات؛ إذ ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله في مسار تنفيذي واحد تمسك إسرائيل بزمامه إلى حد بعيد، من دون جدول زمني ملزم لانسحابها.

ولا تبدأ المكاسب الإسرائيلية، في قراءة الورقة، من الاتفاق الإطاري وحده، بل من اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الذي حقق لإسرائيل هدفين مهمين: فصل جبهة لبنان عن غزة، ونقل النقاش من وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود إلى كيفية طمأنة إسرائيل إلى أمن حدودها مع لبنان.

واستمر الاتجاه نفسه في المفاوضات التالية؛ إذ لم يعد المطلوب قياس موقف الحكومة اللبنانية من إسرائيل فقط، وإنما اختبار قدرة البيئة اللبنانية نفسها على إنتاج واقع أمني وسياسي لا تعتبره إسرائيل مصدر تهديد.

كما استفاد بنيامين نتنياهو شخصيًا وسياسيًا من هذه المعادلة؛ إذ تمكن من فرض اتفاق يقيد حركة حزب الله العسكرية، بينما احتفظت إسرائيل بحرية الحركة والمبادرة العسكرية، وهي صورة ترى الورقة أنها تخدمه انتخابيًا.

وتفرض إسرائيل، بحسب الورقة، منطقة أمنية واسعة داخل الأراضي اللبنانية، وتحتل أو تسيطر عسكريًا على أكثر من 600 كيلومتر مربع من جنوب لبنان، فضلًا عن تفوق جوي واستخباري وعسكري يتيح لها حرية واسعة للعمل داخل الأراضي اللبنانية.

جنازة لجندي إسرائيلي قُتل في معركة بجنوب لبنان. حيفا(غيتي)

مرتفع علي الطاهر.. التفاوض امتداد للحرب

تتوقف الورقة بصورة خاصة عند مرتفع علي الطاهر بوصفه نموذجًا للطريقة الإسرائيلية في الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض.

فالسيطرة "العملياتية" على المرتفع تستنزف حزب الله وتستهدف بنيته العسكرية، لكنها تمنح إسرائيل في الوقت نفسه ورقة ضغط إضافية على الدولة اللبنانية.

وقد تستكمل إسرائيل السيطرة عليه ليصبح نقطة انطلاق إلى مواقع وتحصينات أخرى لحزب الله، خصوصًا بعد الانتخابات، أو تستخدمه في التفاوض لإدخاله ضمن آلية المناطق التجريبية بشروط أكثر تشددًا.

وفي الحالتين، يصبح الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بوقائع جديدة تفرضها إسرائيل ميدانيًا ثم تحملها معها إلى طاولة المفاوضات.

وتستخلص الورقة من ذلك أن نتنياهو لا يتعامل مع التفاوض بوصفه بديلًا عن الحرب، وإنما جزءًا من إدارتها واستثمار نتائجها. فإسرائيل تدخل المفاوضات باعتبارها الطرف المتفوق ميدانيًا، وتستخدم هذا التفوق لدفع السلطة اللبنانية إلى محاصرة حزب الله سياسيًا وإنهاء قوته العسكرية أو تحييدها من خلال مؤسسات الدولة.

لكن الورقة تضع حدودًا لهذا التفوق. فالتقدم الإسرائيلي بدأ يتباطأ لأن الانتقال من إضعاف حزب الله إلى إنهائه يتطلب تدخلًا أوسع وكلفة أكبر بكثير؛ فالحزب ليس قوة وافدة يمكن اقتلاعها عسكريًا فقط، وإنما قوة لبنانية متجذرة في مجتمعها، بما يجعل أي محاولة لإنهائها انخراطًا مباشرًا في التوازنات اللبنانية الداخلية.

لبنان يقبل بالتفاوض لأنه "أفضل المتاح"

على الجانب الآخر، تدرك السلطة اللبنانية اختلال المسار التفاوضي، لكنها تعتبره أفضل الخيارات المتاحة في ظل الوضع القائم، وتراهن على المدى الأطول لتحقيق هدفين أساسيين: وقف الصراع وانسحاب إسرائيل.

إعلان

وتشير الورقة إلى أن أحد المكاسب المباشرة كان استعادة اهتمام واشنطن ببيروت منذ انخراط لبنان رسميًا في المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية في أبريل/نيسان 2026. كما ساعد المسار على تخفيف العزلة النسبية التي عانى منها لبنان، خصوصًا عربيًا، وإعادة تموضعه إقليميًا ودوليًا.

ويكتسب الملف أهمية خاصة للرئيس جوزاف عون؛ فنجاحه في تحقيق انسحاب إسرائيلي ووقف الحرب واستيعاب القوة العسكرية لحزب الله في إطار الدولة يمكن أن يمثل أحد أهم إنجازات عهده، الذي يستمر حتى مطلع 2030.

كما يتزامن جزء كبير من ولاية عون مع ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو ما تفسر به الورقة تمسك الرئيس اللبناني بالوساطة الأمريكية ومرونته تجاه المقاربة التي تقودها واشنطن.

وتمكنت بيروت بالفعل من إدخال مبدأ الانسحاب التدريجي في الاتفاق الإطاري، وبدأ تطبيقه بصورة محدودة للغاية فيما عرف بـ"المناطق التجريبية".

وشملت التجربة فرون وصريفا وزوطر الغربية، لكن الانسحاب الإسرائيلي ظهر بصورة أوضح في زوطر الغربية، بينما ارتبطت التجربة في المناطق الأخرى أساسًا بانتشار الجيش وترتيبات ضبط السلاح.

وبذلك ظل المقابل الذي حصل عليه لبنان محدودًا مقارنة بالالتزامات المطلوبة منه، بل إن إسرائيل أبلغت واشنطن، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية تنقل عنها الورقة، أن تجربة المناطق التجريبية فشلت، وأن إجراءات الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله لا تزال دون المستوى المطلوب.

الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، يلقي كلمة أمام المشاركين عبر تقنية الفيديو كونفرنس خلال فعالية لإحياء ذكرى عاشوراء (الأناضول)

المشكلة ليست فقط مع إسرائيل

يتحول التحليل هنا من المفاوضات الخارجية إلى انعكاساتها داخل لبنان.

فاستمرار عجز السلطة عن تحقيق انسحاب إسرائيلي واسع أو وقف الاعتداءات يوسع الفجوة بينها وبين أحد أكبر المكونات اللبنانية، وهو الطائفة الشيعية وقيادتها السياسية، وفي مقدمتها رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وترى قوى أساسية داخل البيئة الشيعية أن ما يحدث لا يستهدف حزب الله وسلاحه فقط، وإنما قد يستهدف موقع الطائفة نفسها في النظام اللبناني. ويذهب حزب الله ومرجعيات سياسية ودينية قريبة منه ومن حركة أمل إلى تحميل السلطة اللبنانية جانبًا من المسؤولية عن الانخراط في هذا المسار.

وهنا تظهر مفارقة تواجه الدولة: فالعملية التي يفترض أن تعزز سلطتها وسيادتها يمكن، إذا لم تحقق نتائج ملموسة، أن تضعف موقعها في الداخل.

كما تتوقع الورقة أن يؤدي اقتراب الانتخابات الإسرائيلية إلى تباطؤ المفاوضات، ولا تستبعد تصاعد المواجهات وامتدادها إلى بيروت ومناطق أخرى، خصوصًا إذا لم تستمر واشنطن في الضغط على نتنياهو لمنع استخدام الجبهة اللبنانية في تعزيز صورته الانتخابية.

ولهذا تجد السلطة نفسها بين ضغطين: مطالبة خارجيًا بإظهار تقدم في حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، ومطالبة داخليًا بإثبات أن التنازلات والالتزامات التي تقدمها تحقق فعلًا انسحابًا إسرائيليًا وتحمي اللبنانيين.

حزب الله يرفض المفاوضات.. ويحتاج إليها

تكشف الورقة عن مفارقة أخرى تتعلق بموقف حزب الله.

فالحزب يعارض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ويرى أنها تمنحها مكسبًا مجانيًا، لكنه لا يرفض مبدأ التفاوض اللبناني غير المباشر.

وكان الحزب قد وافق سياسيًا على اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما كان ممثلًا في حكومة نجيب ميقاتي وداعمًا لها. لكن سقوط نظام حليفه بشار الأسد في سوريا، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، غير وضعه الإستراتيجي بصورة جوهرية؛ إذ فقد خط الإمداد والعمق السوري الذي كان يعول عليه في التعافي وإعادة بناء قدراته.

ورغم اعتراضه على الاتفاق الإطاري الحالي، ترى الورقة أن حزب الله لا يستطيع العمل ببساطة على إسقاطه؛ لأن استمرار المفاوضات يقلل احتمالات حرب عسكرية واسعة مع إسرائيل ويمنحه وقتًا لإدارة المواجهة.

إعلان

وتشير إلى نمط ميداني يقوم على الصمود في المواقع والتحصينات الأساسية، كما حدث في الخيام وبنت جبيل ومؤخرًا مرتفع علي الطاهر، بالتوازي مع استنزاف أكثر مرونة يعتمد وسائل أكثر تطورًا، ومنها المسيرات الانتحارية ووسائل الرصد والاستهداف الحديثة.

ومن ثم، يسعى الحزب إلى رفع كلفة التقدم الإسرائيلي وإبطائه، مع الاحتفاظ بالقدرة على تصعيد المواجهة إذا توغل الاحتلال أكثر.

السلاح.. أين يبدأ النزاع الحقيقي؟

يصر حزب الله، وفق الورقة، على أن البحث في سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي واضح، ووقف الاعتداءات، وإطلاق الأسرى، وتوفير ضمانات تحول دون عودة إسرائيل إلى المناطق التي تنسحب منها.

وهو بذلك لا يرفض التفاوض وسيلة لاستعادة الأرض، لكنه يرفض استخدامه لنزع سلاحه بلا مقابل سياسي وأمني.

وفي الوقت نفسه، يحاول الحزب نقل قضية السلاح من طاولة التفاوض اللبنانية-الإسرائيلية إلى حوار لبناني داخلي بشأن إستراتيجية الأمن والدفاع.

وهنا تكثف الورقة مفارقته: حزب الله يعارض المسار التفاوضي المباشر سياسيًا، لكنه يحتاج إلى استمراره وظيفيًا؛ لأنه يساعده على تجنب الحرب المفتوحة، ويعيد تعريف قضية السلاح من مطلب إسرائيلي إلى قضية لبنانية داخلية.

ويظل مفهوم "حصر السلاح" نفسه ملتبسًا: هل المقصود جنوب الليطاني فقط أم لبنان كله؟ وهل يشمل السلاح الثقيل والصواريخ والمسيرات والتحصينات أم يمتد إلى السلاح الخفيف والبنية العسكرية والتنظيمية للحزب؟

وترى الورقة أن هذا ليس خلافًا تقنيًا؛ فالانتقال من إخلاء جنوب الليطاني إلى نزع كامل القوة العسكرية لحزب الله يعني الانتقال من ترتيبات أمنية حدودية إلى إعادة تشكيل موازين القوى اللبنانية.

أنصار حزب الله يحملون صوراً ولوحات للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ومقاتلين قُتلوا خلال الحرب(غيتي)

من أزمة النازحين إلى شبح الحرب الداخلية

تصل الورقة عند هذه النقطة إلى أخطر ما يمكن أن يترتب على تعثر المفاوضات.

فإذا استمرت من دون نتائج ملموسة، خصوصًا لسكان قرى الجنوب، بينما تواصل إسرائيل تدمير القرى واستهداف اللبنانيين، فإن التفاوض نفسه قد يتحول إلى عبء على الداخل.

وأدت الحرب بالفعل إلى أزمة نزوح تضغط على مدن الساحل وصولًا إلى بيروت. ومع استمرارها، تتصاعد داخل البيئة الشيعية مخاوف من نتائج ديمغرافية وسياسية، تصل في بعض التصورات إلى التهميش الطائفي أو التهجير من مناطق الجنوب، بل ظهرت سردية تتحدث عن التهجير إلى العراق، بصرف النظر عن مدى صحتها.

وفي المقابل، تراهن القوى المؤيدة للمفاوضات والجهات الإقليمية والدولية الراعية لها على الجيش اللبناني ورئيس الجمهورية وقائد الجيش، باعتبارهم المظلة التي يمكن أن تقود هذا التحول بعيدًا عن مواجهة مباشرة بين الأحزاب والطوائف.

ويفترض هذا التصور أن يصبح الجيش القوة العسكرية الوحيدة المعبرة عن السيادة، وأن يحل محل حزب الله في المناطق التي تنتقل إلى سلطة الدولة.

لكن هنا أيضًا تكمن المخاطرة الكبرى.

فالذاكرة اللبنانية تحمل تجربة حرب أهلية وانقسامات عسكرية وسياسية عميقة. وإذا وضع الجيش في مواجهة مباشرة مع حزب الله في قضية منقسمة عليها البلاد، فإن المخاوف لا تتعلق فقط بصدام بين الجيش والحزب، وإنما بإمكان انتقال الانقسام إلى المؤسسة العسكرية نفسها.

ولا تقول الورقة إن الحرب الأهلية أو انقسام الجيش أصبحا احتمالين قريبين؛ بل تصفهما بأنهما لا يزالان مستبعدين نسبيًا. لكنها تعتبرهما من المخاطر الحاضرة في التفكير اللبناني كلما انتقلت المواجهة من الحدود إلى الداخل.

متى يصبح النازحون مهجرين؟

تضيف الورقة بعدًا آخر شديد الحساسية: إذا تعذرت عودة سكان الجنوب فترة طويلة، فإن أزمة النازحين يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى أزمة مهجرين.

وعندئذ ستطرح قضايا إسكانهم وتوزعهم في بيروت ومدن ومناطق أخرى، بما لهذه المسألة من حساسيات تاريخية وديمغرافية وطائفية وأمنية في لبنان.

ولهذا تكتسب دعوات المحافظة على وحدة الجيش والسلم الأهلي أهمية تتجاوز الخطاب السياسي. وقد أكد نبيه بري أن الجيش اللبناني "خط أحمر"، فيما ترى الورقة أن أي توسع إسرائيلي كبير أو محاولة داخلية لإعادة ترتيب موازين القوى بالقوة يمكن أن تقرب البلاد من هذه المخاطر.

وتستعيد الورقة خبرة لبنان منذ اتفاق الطائف: عندما كان الاختيار بين مواجهة إسرائيل تحت عنوان التحرير، ونقل المواجهة إلى الداخل ضد حزب الله تحت عنوان السيادة، مالت القوى اللبنانية في معظم المحطات إلى تجنب الخيار الثاني لما يحمله من احتمالات إعادة فتح الصراع الأهلي.

الدمار الناتج عن العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان (الفرنسية)

هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله؟

في خاتمتها، تميز الورقة بين قدرة إسرائيل على تحقيق تقدم عسكري في الجنوب وقدرتها على إعادة هندسة لبنان سياسيًا.

إعلان

فالتوسع الإسرائيلي وفرض مزيد من الشروط على الدولة لا يعنيان تلقائيًا الاقتراب من إنهاء حزب الله. ولا توجد ضمانة أن نجاح إسرائيل في توسيع سيطرتها الميدانية سيتيح لها إعادة تشكيل الواقع اللبناني وفق متطلباتها الأمنية؛ لأن الحزب مرتبط ببيئته اللبنانية من جهة، وبإيران والتوازن الإقليمي من جهة أخرى.

ويقوم المسار التفاوضي الحالي على الضغط على الدولة اللبنانية لتتولى هي حصر سلاح حزب الله. ويمكن لهذه المعادلة أن تستمر ما دام مركز المواجهة في الجنوب، وما دامت بيروت تستطيع تقديم خطواتها باعتبارها استعادة للسيادة مقابل انسحاب إسرائيلي.

أما إذا أصبح المطلوب أن تحسم الدولة قضية السلاح بالقوة في الداخل، فإن طبيعة التفاوض نفسها ستتغير. وعندها لن يكون السؤال عن قدرة إسرائيل على فرض شروطها فقط، بل عن الطرف القادر على فرض ميزان القوة داخل لبنان، ولا تفترض الورقة أن حزب الله سيكون الطرف الأضعف في مواجهة كهذه.

وترى أن نجاح المسار بشروطه الحالية يحتاج إلى تراجع كبير في قدرات المحور الذي ينتمي إليه حزب الله، يبدأ من إيران ودورها الإقليمي وينتهي بإعادة ترتيب ميزان القوى اللبناني.

أما إذا لم يحدث ذلك، فسيتعين على المفاوضات التكيف مع حقيقة أن حزب الله، أو القوى الأساسية في الطائفة الشيعية على الأقل، لا يزال طرفًا لا يمكن تجاوزه في تسوية مستقرة.

وعندئذ قد تصبح الحلول التدريجية أكثر واقعية: حصر السلاح على مراحل وربطه بتسوية لبنانية داخلية، والانتقال من "منطقة عازلة" تحت الاحتلال إلى ترتيبات أمنية حدودية تمنح إسرائيل ضمانات أمنية من دون تحويلها إلى مبرر لاستمرار الاحتلال أو الانتقاص المباشر من السيادة اللبنانية.

وتضيف الورقة عاملًا إقليميًا يمكن أن يحد من الاندفاع الإسرائيلي؛ فدول عربية وتركيا، رغم خلافاتها مع حزب الله وإيران، لا تنظر بارتياح إلى توسع إسرائيل في لبنان بالتزامن مع توسعها في سوريا، كما يثير ذلك تحفظات أوروبية ودولية.

وفي النهاية، تضع الورقة لبنان بين معادلتين متعارضتين: استمرار الضغط والحرب الإسرائيليين أملا في إنتاج ميزان قوة يسمح بفرض تسوية، والخوف من أن يؤدي الإفراط في الضغط نفسه إلى نقل الحرب من الحدود إلى الداخل اللبناني.

وهنا تكمن عقدة المفاوضات ومستقبلها: إذا بقي التفاوض وسيلة لتحقيق انسحاب إسرائيلي واستعادة الدولة سيادتها، يمكن أن يستمر رغم اختلاله؛ أما إذا تحول إلى أداة تدفع اللبنانيين إلى حسم خلافاتهم الداخلية بالقوة، فقد يصبح المسار الذي بدأ لإنهاء الحرب مع إسرائيل مدخلًا إلى صراع داخل لبنان نفسه.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink