Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 4, 2026👁 1 views

أمريكا من هندسة الحرية إلى صراع السلطة والتاريخ

أمريكا من هندسة الحرية إلى صراع السلطة والتاريخ

استمعاستمع (8 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
الأعلام الأمريكية أمام لافتة تحمل صورة الرئيس دونالد ترامب (الفرنسية)
Published On 5/7/20265/7/2026

يرسم الصحفي الأمريكي غريغ إيب والكاتب البريطاني سيمون شاما -في مقالين مختلفين- صورة مركبة لتجربة الولايات المتحدة منذ لحظة تأسيسها وحتى حاضرها السياسي المتوتر، في سردية واحدة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتاريخ الفكري، وتطرح سؤالا جوهريا: هل ما زالت المؤسسات التي صنعت الثراء الأمريكي قادرة على حماية الديمقراطية نفسها؟

وينطلق الخط المشترك في المقالين من الفكرة التأسيسية التي تقول إن الولايات المتحدة لم تصبح القوة الاقتصادية الأكبر في العالم بفعل الموارد أو الصدفة، بل بفعل تصميم سياسي دقيق أرساه الآباء المؤسسون، وهو قائم على مبدأ كبح السلطة وتوزيعها، وحماية الحقوق الفردية، وبناء الثقة في القانون والمؤسسات.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فهذه المؤسسات -كما يوحي المقالان- لم تكن مجرد إطار سياسي، بل كانت أيضا محركا اقتصاديا جعل الاستثمار والابتكار ممكنين ومستقرين.

وفي هذا السياق، يستحضر مقال غريغ إيب -في صحيفة وول ستريت جورنال – ملاحظات المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل الذي زار الولايات المتحدة في القرن الـ19، ورأى أن الديمقراطية الأمريكية تخلق طاقة اقتصادية غير مسبوقة، لأن المواطنين يشعرون بأنهم فاعلون في مصيرهم السياسي والاقتصادي.

مبنى الكابيتول يرمز للهندسة الدستورية التي أرساها الآباء المؤسسون (الفرنسية)

واستند الكاتب كذلك إلى أطروحات اقتصاديين بارزين حائزين على جائزة نوبل، دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون، وقد ميزا بين نوعين من المؤسسات: المؤسسات "الاستخراجية" التي تركز السلطة والثروة في يد نخبة محدودة، والمؤسسات "الشاملة" التي توزع السلطة وتحمي الحقوق وتتيح فرصا متكافئة للنشاط الاقتصادي.

ويعتبر الكاتب أن الولايات المتحدة نجحت تاريخيا لأنها تبنت النموذج الثاني، خلافا لكثير من الدول النامية التي ما زالت تعاني من احتكار السلطة والثروة، وهو ما يحد من قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة.

إعلان

ويمتد هذا التحليل إلى تطور المؤسسات الأمريكية الحديثة، مثل الاحتياطي الفيدرالي ولجنة التجارة الفيدرالية التي صُممت لتكون مستقلة عن الضغوط السياسية، بما يضمن حياد الأسواق وثقة المستثمرين.

ويرى الكاتب أن هذه الاستقلالية كانت أحد أسرار صعود النظام المالي الأمريكي وهيمنة الدولار عالميا، لكن هذا النموذج -حسب رأيه- يواجه اليوم اختبارا غير مسبوق، إذ بدأت الضوابط التي شكلت جوهر النظام الأمريكي تتعرض للتآكل مع صعود رؤى سياسية تدفع نحو تركيز السلطة التنفيذية، وتراجع الثقة العامة في المؤسسات.

ومن هنا يبرز الجدل حول سياسات الرئيس دونالد ترمب، الذي سعى إلى توسيع سلطات الرئاسة، والتأثير على هيئات مستقلة، وصولا إلى قرارات قضائية أعادت تعريف حدود العلاقة بين البيت الأبيض وهذه المؤسسات.

المحكمة العليا تحاول ضبط التوازن بين سلطة الرئيس والسلطات الكونغرس (غيتي)

وحذر المقال من أن تقليص استقلال هذه الهيئات قد لا يغير فقط طريقة إدارة الاقتصاد، بل يعيد تشكيل توازن القوة داخل النظام الديمقراطي نفسه، بما قد يسمح لأي رئيس لاحق من أي حزب، باستخدام سلطات أوسع في الاتجاه الذي يريده.

وفي موازاة هذا القلق المؤسسي، يقدم مقال سيمون شاما -في صحيفة فايننشال تايمز – عمقا تاريخيا وفكريا يعيدان إلى لحظة التأسيس الأولى، حين لم تكن فكرة "أمريكا" مشروعا مكتملا، بل تجربة سياسية وفكرية مليئة بالتناقضات.

مسار طويل من الصراع

وذلك لأن الثورة الأمريكية -كما يصورها- كانت نتاج قراءة مكثفة لفلاسفة التنوير مثل جون لوك ومونتسكيو، لكنها كانت أيضا مشروعا عمليا مضطربا بين مبادئ الحرية وواقع العبودية، وبين إعلان المساواة وممارسات الإقصاء.

ويعيد شاما بناء المشهد التأسيسي من خلال شخصيات مثل جون آدامز وتوماس جيفرسون اللذين مثّلا في آن واحد روح الثورة وصراعاتها الداخلية، قبل أن تتحول خلافاتهما السياسية إلى صداقة فكرية في أواخر حياتهما، وتنتهي بشكل رمزي بوفاتهما في اليوم نفسه من الذكرى الخمسينية للاستقلال عام 1826، وكأن التاريخ يغلق صفحة جيل التأسيس في لحظة واحدة.

قوة التجربة الأمريكية لا تكمن في نقائها ولا اكتمالها، بل في قدرتها المستمرة على التوازن بين الطموح والحدود، وبين السلطة والحرية، وبين الرواية الوطنية والنقد الذاتي

كما يسلط المقال الضوء على أن إعلان الاستقلال لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان نتاج نقاشات فكرية عميقة استندت إلى التراث البريطاني ذاته الذي ثار عليه المستعمرون، من "الماغنا كارتا" إلى "الثورة المجيدة"، إضافة إلى أفكار العقد الاجتماعي وحق مقاومة السلطة غير الشرعية.

ومع ذلك، فإن النص التأسيسي نفسه حمل تناقضاته، إذ حُذفت منه فقرات تدين العبودية رغم أن أحد واضعيه الرئيسيين كان مالكا للعبيد، مما يعكس الفجوة بين المثال الأخلاقي والواقع الاجتماعي منذ البداية.

ويربط شاما هذا الإرث الفكري بالواقع المعاصر، محذرا من النزعة إلى تبسيط التاريخ الأمريكي وتحويله إلى سردية احتفالية خالية من التعقيد، لأن التاريخ في جوهره، ليس قصة نجاح مستقيمة، بل هو مسار طويل من الصراع بين الحرية والقمع، بين الفكرة وتطبيقها، وهو ما يمنح التجربة الأمريكية قوتها الحقيقية.

وبذلك يقدم الكاتب رؤية شاملة تعتبر أن "الحلم الأمريكي" لم يكن لحظة تأسيس مثالية، بل عملية تاريخية طويلة من التوتر بين المبادئ والواقع، ولا يزال هذا التوتر هو ما يمنح التجربة الأمريكية معناها واستمرارها حتى اليوم.

ترمب سعى إلى توسيع سلطات الرئاسة على حساب المؤسسات (الأوروبية)

وعند نقطة التقاطع بين المقالين، تتضح صورة واحدة، وهي أن الولايات المتحدة ككيان تأسس على فكرة متقدمة عن تقييد السلطة وتوزيعها، لكنه يعيش اليوم اختبارا جديدا لهذه الفكرة، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الذاكرة التاريخية.

إعلان

بينما يحذر التحليل الاقتصادي من تآكل الضوابط المؤسسية التي صنعت الازدهار، يذكّر التحليل التاريخي بأن هذا النظام نفسه ولد من تناقضات عميقة لم تحسم يوما.

وفي النهاية، يتفق النصان ضمنيا على أن قوة التجربة الأمريكية لا تكمن في نقائها ولا اكتمالها، بل في قدرتها المستمرة على التوازن بين الطموح والحدود، وبين السلطة والحرية، وبين الرواية الوطنية والنقد الذاتي.

لكن السؤال الذي يظل مفتوحا هو هل تستطيع هذه التجربة أن تحافظ على هذا التوازن في زمن تتزايد فيه الضغوط على مؤسساتها، وتتشظى فيه روايتها عن نفسها؟

المصدر: فايننشال تايمز + وول ستريت جورنالسياسة|صحافة|الولايات المتحدة الأمريكية

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink