Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 25, 2026👁 0 views

عبد الناصر ضد مندريس.. حين تحولت سوريا إلى ساحة صراع بين مصر وتركيا

عبد الناصر ضد مندريس.. حين صارت سوريا ساحة صراع بين مصر وتركيا

استمعاستمع (45 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر
زيد أسليمPublished On 25/7/202625/7/2026|آخر تحديث: 17:23 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:23 (توقيت مكة)

المكان ميدان المنشية في الإسكندرية. الزمان مساء 26 يوليو/تموز 1956، في الذكرى الرابعة للثورة، كان الميدان يموج بعشرات الآلاف، والهواء يحمل صوت الرئيس عبر مكبرات الصوت، فيما كانت القاهرة قد تلقت قبل أيام ضربة سياسية قاسية بعد سحب واشنطن ولندن عرض تمويل السد العالي. على المنصة، بدأ عبد الناصر الحديث عن الاستقلال والكرامة والنيل والسد. أخذت الإسكندرية تسمع، والقاهرة تترقب، ومكاتب شركة قناة السويس في الإسماعيلية وبورسعيد والسويس تستعد لانتقال السلطة من امتياز أوروبي قديم إلى دولة مصرية قررت أن تسترد أكثر رموز الهيمنة الأجنبية حساسية في تاريخها الحديث.

اختار عبد الناصر أن يدخل إلى القرار من باب الحكاية. عاد إلى فرديناند ديليسبس، الدبلوماسي الفرنسي الذي رعى فكرة شق القناة، ورجع إلى حفر القناة في القرن التاسع عشر، وإلى العمال المصريين الذين دفعوا من أجسادهم ثمن إحدى أهم القنوات المائية في العالم، ثم ربط ذلك بالسد العالي وبحق مصر في تمويل مشروعها الأهم من مواردها. ظل اسم ديليسبس يتردد في الخطاب حتى صار، وفق الرواية المتداولة عن تلك الليلة، الإشارة التي انتظرتها فرق مصرية للتحرك نحو مقار الشركة. وفي اللحظة التي كان الاسم يخرج فيها من المنصة إلى الميدان، كانت مجموعة من الضباط والموظفين المصريين تدخل مكاتب الإدارة القديمة وتبلغها أن القناة صارت تحت السيادة المصرية الكاملة.

"كان التأميم قد أُعد بوصفه فعلا محسوبا، يبدأ بخطاب جماهيري وينتهي إلى قانون منشور وإدارة جديدة"

لم تكن العملية صاخبة. لا رصاص، ولا مشهد اقتحام دموي، ولا فوضى في المكاتب. كان التأميم قد أُعد بوصفه فعلا محسوبا، يبدأ من خطاب جماهيري وينتهي إلى قانون منشور وإدارة جديدة. وحين أعلن عبد الناصر القرار رسميا، انتقل الصوت عبر الراديو من الميدان إلى القاهرة ودمشق وبغداد وعمَّان وبيروت وتونس والرباط، ووصل إلى كل مكان كان فيه جمهور عربي يبحث عن لغة تعيد تعريف الكرامة والاستقلال.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list إعلان

أما في لندن وباريس، فقد كان الخبر بمثابة صفعة على وجه ما تبقى من نفوذ إمبراطوري في الشرق الأوسط. رأت بريطانيا وفرنسا في التأميم تحديا مباشرا لمكانتهما، فيما قرأت واشنطن الأزمة بحذر أكبر، بين حليفين أطلسيين غاضبين وزعيم عربي صاعد لا تريد دفعه بالكامل إلى مدار موسكو. أما في الشارع العربي، فقد مسَّ الخبر مشاعر قومية عميقة منذ بدأ التغلغل الغربي في المنطقة قبل عقود: لقد وقف زعيم عربي في وجه بريطانيا وفرنسا في لحظة بات فيها مواتيًا، ولأول مرة، حلم التخلُّص التام من الهيمنة الأوروبية.

ولكن حين جاء العدوان الثلاثي في خريف العام نفسه، اختُبرت تلك المشاعر الجديدة والمعاني الكبرى الكامنة وراءها بقوة. لقد عجزت مصر عن إحكام سيطرتها على سيناء، وتعرَّضت مدن القناة للقصف، لكن الحصيلة السياسية ذهبت في اتجاه آخر، إذ أجبر الضغط الأمريكي والدولي المعتدين على الانسحاب، في نظام دولي باتت تحكمه التوازنات الأمريكية السوفياتية، لا النزعات الاستعمارية البريطانية والفرنسية.

لم يسقط نظام عبد الناصر كما توقع البريطانيون، ولم تعد القناة إلى ما كانت عليه. ورغم التعثر العسكري في وقف العدوان الثلاثي، كان عبد الناصر قد سجل الانتصار السياسي الذي أراده على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، لا سيما في الشارع العربي. ففي تلك الفترة، اكتسب الراديو وظيفة سياسية جديدة، إذ خرجت إذاعة صوت القاهرة من حدود الخبر العاجل إلى فضاء أوسع يرافق الجدل في المقاهي والبيوت والثكنات، ويبث رواية عبد الناصر عن معركة السويس والصمود فيها في عواصم عربية بعيدة عن سلطة مصر، لكن قريبة من مشروعها وتأثيرها المتنامي.

"بعد السويس، امتلك عبد الناصر رأسمالا رمزيا هائلا، أكثر من مؤسسات الدولة المصرية ذاتها، وأكثر نفاذا من كثير من السفارات"

هنا بدأ عبد الناصر يتجاوز حدود الدولة التي يقودها، وصار اسمه حاضرا في دمشق وبغداد وعمَّان وبيروت، رمزا لتيار عربي يرى أن الشرعية تُنتزع بخوض الصراع المفتوح مع ما بقي من الاستعمار الأوروبي، لا سيما وهو في طور الأفول. بعد السويس، امتلك عبد الناصر رأسمالا رمزيا هائلا، أكثر من مؤسسات الدولة المصرية ذاتها، وأكثر نفاذا من كثير من السفارات. ولكن في تركيا، الدولة التي حصلت على استقلالها عام 1923 وانفصلت نسبيا عن العالم العربي منذ ثلاثة عقود، قُرئت الليلة نفسها بعيون مختلفة تماما.

جمال عبد الناصر وسط استقبال حافل من حشود متحمسة في القاهرة عام 1956 (الفرنسية)

جرس إنذار في أنقرة

يعرف جميعنا عدنان مندريس، رئيس الوزراء المنتخب الذي أنهى هيمنة حزب الشعب الجمهوري على السلطة في تركيا عام 1950، قبل أن يُطاح به في الانقلاب العسكري الأول عام 1960. كان الرجل عام 1956 في ذروة سلطته في تركيا، وكان يتطلَّع نحو العالم العربي إلى جنوبه من منطق الحرب الباردة، التي لم يختلف كثيرا مع الحزب الجمهوري في رؤيته لموقع تركيا منها.

لقد خرجت تركيا من الحرب العالمية الثانية وهي تحمل ذاكرة الضغط السوفياتي على المضائق، ثم وجدت أمنها في الأطلسي، وفي عضوية الناتو عام 1952، وفي حلف بغداد برعاية بريطانيا، الذي أرادته أنقرة جسرا بين حدودها الجنوبية والمنظومة الغربية. ومن هذه الزاوية، ظهر عبد الناصر في الحسابات التركية بوصفه قوة تعطل بناء الحزام الأمني حول الاتحاد السوفياتي، وتحرض العرب ضد الأحلاف الغربية، التي رأت فيها تركيا ضمانة لبقائها.

إعلان

هنا تشكل جوهر المأزق. لقد كان مندريس يمتلك شرعية صندوق انتخابي داخل تركيا، وأدوات دولة وجيش وتحالفات دولية. وكان عبد الناصر يمتلك، بعد السويس، لغة جماهيرية عابرة للحدود. قرأ الأول المنطقة من بوابة الأمن والخطر السوفياتي، وقرأها الثاني من بوابة التحرر الوطني والذاكرة الاستعمارية.

عدنان مندريس رئيس الوزراء المنتخب الذي أنهى هيمنة حزب الشعب الجمهوري على السلطة في تركيا عام 1950  (أسوشيتد برس)

من بوابة السويس تبدَّل ميزان الشرعية في الشرق الأوسط. قبل الأزمة، راهنت العواصم الغربية وحلفاؤها المحليون على هندسة الإقليم عبر الأحلاف والمعاهدات الأمنية. أما بعدها، فصار على كل مشروع إقليمي أن يمر أمام جمهور عربي يسمع القاهرة ويقيس المواقف بميزان الاستعمار والتحرر. دخلت المنطقة عصر الحرب الباردة، لكنها تجسدت من ثنايا أفكارها المحلية القومية، وتفاعلاتها الإقليمية الخاصة. لم يحصل عبد الناصر على قدرة مطلقة لإدارة الشرق الأوسط، لكنه جعل اسمه حاضرا في أزمات لم تكن مصر طرفا مباشرا فيها على الورق من قبل. أما تركيا، فبقيت قوة عسكرية وجغرافية يصعب تجاوزها، لكنها بدت في المخيال العربي أقرب إلى المعسكر الذي خرج مهمشا أكثر.

"ظهرت سوريا بوصفها المسرح الأوضح للمنافسة بين مصر كمركز لموجة القومية العربية، وتركيا كمركز للتحالفات الغربية"

بعد أقل من عام، ظهرت سوريا بوصفها المسرح الأوضح لهذا التحوُّل بين مصر كمركز لموجة القومية العربية، وتركيا كمركز للتحالفات الغربية. في دمشق، كانت السياسة تهتز بين الضباط والأحزاب والبعثيين والشيوعيين والقوميين العرب، في خضم خوف غربي من تحول البلاد إلى موطئ قدم سوفياتي، وحماسة شعبية ترى في القاهرة مركزا جديدا لقومية عربية صاعدة.

في أنقرة، كانت سوريا حدودا جنوبية مفتوحة على احتمال تطويق تركيا بكماشة شمالها الاتحاد السوفياتي وجنوبها القومية العربية. ومع تصاعد الأزمة العربية التركية عام 1957، امتلأت البرقيات والتصريحات باتهامات سورية وسوفياتية لتركيا بحشد قواتها على الحدود، ورسائل تحذير من موسكو إلى مندريس، وتحركات بحرية سوفياتية نحو اللاذقية، وسفن أمريكية تصل إلى إزمير، ثم إعلان القاهرة دعم دمشق وإرسال قوات مصرية إلى الساحل السوري. وهكذا انتقلت شرارة السويس من القناة إلى الحدود التركية السورية، فاتحة الباب أمام موجة القومية العربية التي شكَّلت المنطقة طيلة الخمسينيات والستينيات، ومُطلقة واحدة من أسوأ فترات التوتر التركي العربي.

سوريون احتشدوا للترحيب بوصول ضباط مصريين إلى دمشق عام 1957 (الفرنسية)

قبل ذلك في خريف عام 1954، وقبل أن يستقر اسم حلف بغداد في لغة السياسة الإقليمية، توقفت أنقرة عند بند عابر ظاهريا في اتفاق الجلاء بين مصر وبريطانيا. فقد رتَّب الاتفاق انسحاب القوات البريطانية من قاعدة قناة السويس، لكنه أبقى للندن حق العودة إليها إذا تعرضت تركيا أو إحدى الدول العربية لهجوم خارجي. في القاهرة، بدا البند ثمنا ثقيلا قبله عبد الناصر لانتزاع الخروج البريطاني من القناة. وفي أنقرة، قرأته حكومة عدنان مندريس على نحو مختلف، بوصفه اعترافا مصريا، ولو تحت ضغط التفاوض، بموقع تركيا في أي بناء دفاعي للشرق الأوسط.

وتشير بعض الدراسات التركية إلى أن عبد الناصر، بعدما لمس حساسية أنقرة من اعتراضه على ذكر تركيا في اتفاق القناة، كتب مقالا بعنوان "تركيا الشقيقة"، شدد فيه على أنه ينظر إلى تركيا كدولة صديقة، من دون أن يتراجع عن تمسكه بالسيادة المصرية. وتضيف الرواية أن مندريس أوفد كمال أيغون، محافظ أنقرة آنذاك والعضو بالحزب الديمقراطي، إلى القاهرة لاستطلاع إمكان ترتيب لقاء ثنائي، لكن عبد الناصر امتنع عن لقائه وبرر موقفه، وفق المصدر نفسه، بأن الرأي العام المصري لم يكن مهيأ للقاء كهذا في ظل علاقة تركيا بإسرائيل وارتباطها بمشروعات الدفاع الغربية في المنطقة.

"رتبت اتفاقية الجلاء انسحاب القوات البريطانية من قاعدة قناة السويس، لكنها حفظت للندن حق العودة إليها إذا تعرضت تركيا أو إحدى الدول العربية لهجوم خارجي"

بقيت تفاصيل محاولة التواصل الأولى في دائرة الرواية الدبلوماسية غير المكتملة، غير أن الوثائق الأمريكية اللاحقة تكشف اتساع المسافة بين القاهرة وأنقرة. ففي يناير/كانون الثاني 1955، كانت وزارة الخارجية الأمريكية ما تزال تحاول إبقاء العلاقة إيجابية بين البلديْن، وتحدثت برقياتها عن تشجيع تفاهم تركي مصري، وعن رسالة محتملة من مندريس إلى عبد الناصر، وزيارة تركية إلى القاهرة قد تُمهِّد لاحقا لمعاهدة بين البلدين. وكانت واشنطن تنظر إلى أنقرة بوصفها دولة مسلمة صديقة للغرب، ذات موقع أطلسي ووزن إقليمي، يمكن أن تساعد في استمالة مصر إلى ترتيب أمني لا يخرج عن السقف الغربي. أما القاهرة، فكانت تُشكِّك في محاولة هندسة تحالف باسم الدفاع عن المنطقة، دون معرفة الدفاع في مواجهة من بالتحديد.

إعلان

قبل توقيع الاتفاق التركي العراقي وهو النواة الأساسية التي قام عليها حلف بغداد، قال عبد الناصر للسفير الأمريكي في 6 فبراير/شباط 1955 إن إعلان الاتفاق كان صدمة له، وإنه سيبقى قطعة ورق إذا تجاهل "الجبهة الداخلية" العربية. وفي الحديث نفسه فصل عبد الناصر اعتراضه واصفا رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد بأنه "عميل بريطاني" في نظر الشارع العربي، ثم أضاف قائلا: "والأتراك تحت تأثيركم" (يقصد واشنطن).

أخذ الخلاف شكله المؤسسي مع توقيع بغداد وأنقرة "ميثاق التعاون المتبادل" رسميا في 24 فبراير/شباط 1955، حيث جلس مندريس إلى جانب نوري السعيد في العاصمة العربية التي قرأت الشرق الأوسط من زاوية مختلفة عن القاهرة. كانت بغداد الملكية ترى الخطر في موسكو، وفي "الضباط المُسيَّسين"، وتبحث عن سند تركي وغربي يُثبِّت موقعها. في المقابل، وجدت أنقرة في العراق امتدادا جنوبيا للدرع الأطلسية التي دخلتها عام 1952، وحليفا يحمل رؤية مطابقة تجاه التحالفات في المنطقة.

رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد (يسار) وإلى جانبه وزير خارجيته برهان الدين باش أعيان خلال مؤتمر "حلف بغداد" عام 1955 (غيتي)

في القاهرة، قُرأ الاتفاق بوصفه محاولة لإزاحة مركز الثقل العربي من القاهرة إلى بغداد، ومنح تركيا دورا قياديا في المشرق العربي. وعلى هذا الأساس تحركت القاهرة، ورفضت أن يتحول الاتفاق التركي العراقي إلى أمر واقع، وصوَّرت مصر محاولات الانضمام إليه من طرف الدول العربية بوصفه خروجا على جامعة الدول العربية وفكرة الأمن العربي المشترك. وهكذا بدأ عبد الناصر، قبل السويس، يغادر موقع الرئيس المنشغل بتثبيت استقلال القرار المصري إلى موقع اللاعب الراغب في الضغط على عواصم لا يحكمها من أجل مشروع مغاير لحلف بغداد، أكثر اتساقا مع الشارع العربي من وجهة نظره.

في الجهة المقابلة من هذه المعركة، كان مندريس يرى ما تهاجمه القاهرة بوصفه جزءا من أمن تركيا، لا امتدادا للاستعمار كما رآه عبد الناصر. فالرجل الذي صعد إلى الحكم في انتخابات 1950، حمل شرعية داخلية واسعة وثقة زعيم جاء عبر الصندوق. ولكن شرعيته الانتخابية لم تلغ حساب الجغرافيا الثقيلة التي تحكم موقع أنقرة. فقد كان الاتحاد السوفياتي على الحدود، وضغط موسكو السابق على المضائق حاضرا في الذاكرة التركية، ومن ثمَّ كانت التحالفات الغربية ضمانة أمنية لا عبئا وطنيا، في نظر مندريس.

"كان مندريس يرى حلف بغداد جزءا من أمن تركيا، لا امتدادا للاستعمار كما رآه عبد الناصر"

من هذا التباين في قراءة الحلف، تقدمت سوريا إلى مركز الحسابات مبكرا، فهي البلد العربي الذي انصب عليه اهتمام مصر لمواجهة حلف بغداد، والبلد العربي الأكثر ارتباطا بالأمن القومي التركي في الوقت ذاته. ففي مايو/أيار 1955، وخلال حديثه مع رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو، وصف عبد الناصر الوضع السوري بـ"الاضطراب"، وتوقف عند اقتراح لاتفاق دفاعي يضم مصر وسوريا والسعودية. وتناول شروطا سورية متصلة بالقيادة المشتركة وحجم القوات والكلفة التي ستتحملها القاهرة.

بدت التفاصيل للوهلة الأولى إجرائية، لكنها كشفت إدراك القاهرة أن دمشق هي العقدة التي قد يمر منها حلف بغداد أو يُغلق أمامه الباب فيها. في الفترة نفسها تقريبا، قرأت أنقرة التقارب المصري السوري بوصفه جرس إنذار. ومع مسعى القاهرة ودمشق والرياض إلى بناء محور مضاد لحلف بغداد (رغم التناقضات داخل هذا التحالف المفترض)، رأت حكومة مندريس أن سوريا تميل أكثر فأكثر إلى القاهرة.

ردا على ذلك، وُجهت رسالة تركية إلى دمشق بلهجة قاسية، تُحذِّر من أن أي اتفاق سوري مصري سيُعامل على أنه عمل عدائي، وأن تركيا قد تضطر إلى مراجعة سياستها تجاه جارتها الجنوبية. هنا ظهر خلل سيلاحق أنقرة في السنوات التالية. فكلما صاغت موقفها بلغة الأمن والردع، اتسعت مخاوف الشارع العربي من نياتها في تلك الفترة، وعادت إلى السطح مخاوف الهيمنة التركية التي شكَّلت هاجسا لدى القوميين العرب من ذلك الجيل.

خلال حديثه مع رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو (وسط) وصف عبد الناصر (يسار) الوضع السوري بالاضطراب، واقترح اتفاقا دفاعيا يضم مصر وسوريا والسعودية (الفرنسية)

دفعت صفقة السلاح التشيكية بين مصر والكتلة الشرقية في سبتمبر/أيلول 1955 القلق التركي إلى مستوى أشد. فمصر، بعدما تعثر حصولها على السلاح من الغرب بالشروط التي تريدها، ذهبت عبر براغ عاصمة التشيك إلى مخازن الكتلة السوفياتية. وبدا أن عبد الناصر قادر على كسر الاحتكار الغربي للسلاح في المنطقة، وأن حلف بغداد، الذي قُدم بوصفه سدا أمام نفاذ موسكو إلى الشرق الأوسط، لم يمنع السوفيات من الوصول إلى قلب المنطقة في القاهرة.

إعلان

رأى مندريس أن الصفقة تمس تركيا بقدر ما تمس مصر. فقد بنت حكومة الحزب الديمقراطي مشروعها الداخلي والخارجي على الصلة بالغرب، من المساعدات الأمريكية والقروض إلى تحديث الزراعة والطرق والسدود والمشروعات الكبرى. واختصر الرئيس التركي جلال بايار ذلك الطموح لاحقا في رغبته بأن تصبح تركيا "أمريكا صغيرة". ولذلك تشكَّل غضب في أنقرة من عبد الناصر، رُغم البرود الذي أصاب العلاقات التركية الأمريكية نتيجة لعدم حصول أنقرة على كل احتياجاتها العسكرية التي طلبتها من واشنطن.

"رأت أنقرة التقارب المصري السوفياتي خطرا على أمنها وتهديدا للتحالفات الغربية"

في اجتماعات حلف بغداد خلال ربيع عام 1956، وخصوصا في طهران، انفجر هذا الشعور، وقد نقل الدبلوماسي الأمريكي لوي هندرسون أن مسؤولي دول الحلف كانوا غاضبين من "الحياديين التبشيريين" مثل عبد الناصر ونهرو، في إشارة إلى حركة عدم الانحياز، وأن الأتراك تذمروا من احتمال حصول عبد الناصر على تمويل كبير للسد العالي، في وقت تعاني فيه تركيا، الحليف "الجيد"، من صعوبات اقتصادية. ووصف هندرسون مندريس بأنه الشخصية الأكثر حزما في المؤتمر تجاه الشيوعيين وأنصار عدم الانحياز على حد سواء.

على هذه الخلفية جاءت أزمة السويس فغيَّرت ميزان الخلاف القائم. فبعد أن سحبت واشنطن ولندن عرض تمويل السد العالي في يوليو/تموز 1956، أمَّم عبد الناصر شركة قناة السويس، ووجدت أنقرة نفسها أمام اختبار يمس مصر وحلفاءها وموقعها هي في وقت واحد. ورأت حكومة مندريس أن وضع القناة تحت السيطرة المصرية المنفردة، في ظل صلة القاهرة المتنامية بالكتلة السوفياتية، نذير خطر. وزاد حساسية الموقف أن تركيا كانت طرفا في اتفاقية إسطنبول لعام 1888 الخاصة بحرية الملاحة في القناة، وشريكا لبريطانيا في حلف بغداد، وصاحبة مضائق يحكمها نظام مونترو، ومن ثمَّ خشيت أن يفتح النقاش حول القناة بابا لمقارنات لا تريدها مع البوسفور والدردنيل.

مثّل تأميم قناة السويس والإدارة المصرية المنفردة للملاحة في القناة تحديا للمصالح الغربية (الفرنسية)

في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، دخلت إسرائيل سيناء. وفي اليوم التالي أرسلت بريطانيا وفرنسا إنذارهما إلى مصر وإسرائيل، ثم بدأ القصف الجوي والبحري على مدن القناة في 31 أكتوبر/تشرين الأول. أمام هذا التسلسل السريع، وجد مندريس نفسه في مأزق. بريطانيا العضو في حلف بغداد تقود الحرب، والولايات المتحدة، الحليف الأكبر لأنقرة، ترفض العدوان وتدفع بالملف إلى الأمم المتحدة. أما الشارع العربي، فلم يكن يرى في الأمر تعقيدات من أي نوع، بل عدوانا على مصر تشارك فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. في ضوء ذلك، انتهت أنقرة إلى مجاراة الخط الأمريكي المطالب بانسحاب القوات البريطانية والفرنسية، من دون أن تندفع إلى إدانة صريحة وحادة للندن وباريس.

وبالمنطق نفسه جاءت الخطوة التركية تجاه إسرائيل. ففي 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1956، سحبت أنقرة سفيرها من تل أبيب وخفضت مستوى التمثيل إلى "القائم بالأعمال". وطمأن دبلوماسيون أتراك الإسرائيليين إلى أن مغادرة السفير لا تستهدف إسرائيل بذاتها، وإنما تأتي لحماية سمعة حلف بغداد وسط موجة عربية شديدة العداء لإسرائيل بعد السويس. وقد أرادت تركيا أن تبعث بإشارة إلى العرب من دون تغيير فعلي في علاقاتها. غير أن ما بعد العدوان الثلاثي لم يعد يحتمل إشارات محدودة، فحلف يضم بريطانيا لم يكن قادرا على إقناع الشارع العربي بأنه مشروع لحماية العرب بعد أن شاركت لندن في ضرب مصر.

وفي ديسمبر/كانون الأول 1956، التقى مندريس وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس في باريس. وحينها كان العدوان قد توقف، لكن نتائجه السياسية كانت مستمرة. ووصف مندريس سوريا في اللقاء بأنها باتت أقرب إلى "دولة في فلك سوفياتي"، وطالب بانضمام الولايات المتحدة رسميا إلى حلف بغداد، معتبرا أن هذه الخطوة ستجلب الهدوء والأمن إلى المنطقة، لكن واشنطن آثرت أن تنأى بنفسها عن التحالف الصريح مع بريطانيا في لحظة كانت فيها بريطانيا في طور الانسحاب بالفعل.

طفل مصري بجوار دبابة بريطانية وسط الدمار الذي حل بمدينة بورسعيد جراء العدوان الثلاثي عام 1956 (غيتي)

في يوليو/تموز 1957، جلس السفير الأمريكي ريموند هير مع عبد الناصر في القاهرة، وسمع منه قراءة واسعة للمنطقة تقوم على ثلاث قوى تتحرك في الشرق الأوسط، الشيوعية، والهيمنة الغربية ولاسيما الأمريكية، والقومية العربية. واتهم عبد الناصر واشنطن بأنها تحاول عزل مصر عبر دعم نسخة من قومية عربية منفصلة عن شعوبها. لم يكن الكلام خطابا جماهيريا موجها إلى الشارع، وإنما حديثا دبلوماسيا يكشف كيف رأى عبد الناصر نفسه بعد السويس، في وقت كانت واشنطن لا تزال تحاول أن تحافظ على القنوات مفتوحة مع الجميع، وأن تنأى بنفسها عن مُربع فرنسا وبريطانيا المكروه عربيا.

"في الغرب أراد مندريس أن يبقى الحليف الموثوق ضد السوفيات. وفي الشرق أراد ألا تبدو تركيا ظهيرا لحلف مكروه عند العرب"

في أنقرة، وفي نهاية الشهر نفسه، نقل السفير الأمريكي أن مندريس يبدي ارتياحا لتحسن محدود في العلاقات المصرية التركية، إذ قال إن عبد الناصر ليس شيوعيا، وإن اعتراضاته السابقة على حلف بغداد باتت "مياها تحت الجسر". وقد أثارت هذه النبرة قلق واشنطن، إذ رأت أن أي تقارب تركي مع عبد الناصر قد يمنحه مخرجا من عُزلته، وهي عزلة باتت ترى واشنطن أنها ضرورية نتيجة الخطاب المُعادي للغرب الصادر من القاهرة. بعد أيام، أوضح مندريس مقصده بعبارة تلخص مأزقه كله، فالتغيُّر في سياسة تركيا تجاه مصر، كما شرح، يتعلق بالمظهر لا بالجوهر، وأنقرة لا ترى تحولا حقيقيا في تفكير ناصر، لكنها مضطرة إلى الحذر الشديد منه حتى لا يترسخ لدى الرأي العام العربي أن الأتراك أعداء لأي بلد عربي.

يكشف توضيح مندريس أن معركة الصورة صارت جزءا من الأمن التركي في ذلك الوقت. في الغرب، أراد مندريس أن يبقى الحليف الموثوق في الجبهة الشمالية والجنوبية ضد السوفيات. وفي الشرق الأوسط، أراد ألا تظهر تركيا وريثة لوصاية قديمة أو ذراعا لحلف مكروه عند العرب. ولذا ظل متمسكا بحلف بغداد والناتو وصلته بواشنطن ولندن، لكنه أدرك أن أنقرة تدفع ثمنا باهظا من علاقاتها العربية كلما بدت خصما مباشرا لما يمثله عبد الناصر بعد السويس.

بهذا المعنى، دخلت العلاقة بين عبد الناصر ومندريس طور المواجهة من دون حاجة إلى تصعيد معلن أو قطيعة رسمية. فقد كان كل منهما يرى الآخر من خلال الإرث الذي حمله في طريقه إلى السلطة، والتجربة الوطنية التي تشكَّلت قبله. رأى عبد الناصر، في ذروة مواجهة الاستعمار، أن تركيا مندريس دولة اختارت الانحياز الأطلسي والغربي، ومنحت خصوم القاهرة سندا يتجاوز قدراتهم. ورأى مندريس، القادم من بلد مُستقل لم يشهد استعمارا طويلا وسعى سعيا حثيثا للحاق بالغرب، أن عبد الناصر زعيم يمزج القومية العربية بعدم الانحياز والانفتاح على موسكو، ويملك قدرة خطرة على تحويل الرأي العام العربي إلى قوة ضغط ضد الحكومات الحليفة لأنقرة، بل وربما أنقرة ذاتها.

عدنان مندريس (يسار) ووزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس في مؤتمر "حلف بغداد" بلندن  عام 1958 (أسوشيتد برس)

مع نهاية صيف عام 1957، تقدَّمت سوريا إلى واجهة الصراع. لقد كانت حاضرة باستمرار في خلفية المشهد منذ حديث عبد الناصر مع نهرو في مايو/أيار 1955، وفي الرسائل التركية القاسية إلى دمشق، ومحاولات حلف بغداد جذب الأردن ولبنان، والاتفاقات الدفاعية بين القاهرة ودمشق، والخوف التركي المتصل بخاصرتها الجنوبية. ولكن بعد السويس، صار البلد الهش أكثر من ساحة نفوذ. فهناك أمكن لشعبية عبد الناصر أن تؤثر في توازنات الجيش والحكم، وأمكن للقلق التركي من الشيوعية أن يتحول إلى حشد عسكري على الحدود، وأمكن للخلاف في الرؤى بين عبد الناصر ومندريس أن يصبح صداما سياسيا مفتوحا، وربما احتكاكا عسكريا.

في أغسطس/آب 1957، وفي خضم بحث الأزمة السورية المتصاعدة في إسطنبول مع مبعوثين وحلفاء عرب وأمريكيين، تحدث مندريس عن كل الاحتمالات في مواجهة "الشيوعية السورية"، بما فيها التدخل العسكري. في تلك الاجتماعات، طُرح اسم عبد الناصر بوصفه القوة المقابلة في المعادلة أكثر من كونه طرفا قابلا للإقناع. أما على موجة الإذاعة السورية، فخرجت الأزمة من الظل قبل أن تظهر الدبابات على الحدود.

ففي مساء 12 أغسطس/آب، أعلنت دمشق أن السلطات كشفت مؤامرة أمريكية لقلب الحكم، وسمَّت دبلوماسيين أمريكيين قالت إنهم شاركوا في التحرك ضد الدولة. ومع انتشار الخبر، صار محيط السفارة الأمريكية في العاصمة ساحة مواجهة، مع بيان سوري رسمي في اليوم التالي بأن 3 من موظفي السفارة باتوا أشخاصا غير مرغوب فيهم. وقد ردَّت واشنطن بطرد السفير السوري فريد زين الدين، فبدأت أزمة دبلوماسية بين البلدين.

"بحثت واشنطن ولندن إمكان تغيير الحكم في دمشق أو دفع بعض جيران سوريا إلى الضغط على النظام الحاكم فيها"

قدَّمت دمشق الرواية بوصفها دليلا على أن سوريا صارت هدفا مباشرا لأنها رفضت الأحلاف الغربية، بينما رأت واشنطن في ما جرى مؤشرا جديدا على أن العاصمة السورية تفلت من المجال الذي يمكن ضبطه بالوسائل الدبلوماسية المعتادة، وتقترب من خليط مُقلق يجمع القومية العربية بالشيوعية والسلاح السوفياتي. ولاحقا، أضافت الوثائق والدراسات زاوية أشد حساسية إلى القصة، إذ أظهرت أن واشنطن ولندن بحثتا، بدرجات مختلفة، إمكان تغيير الحكم في دمشق أو دفع بعض جيران سوريا الحلفاء للغرب إلى الضغط على النظام الحاكم فيها.

خلف واجهة الحياة البرلمانية، حملت دمشق أثقال عقد مضطرب بدأ بانقلابات 1949 وما تلاها، ثم ازداد تعقيدا بعد سقوط أديب الشيشكلي في فبراير/شباط 1954. عاد البرلمان، واستعادت الأحزاب حضورها، وجلس شكري القوتلي في القصر الجمهوري، غير أن الدولة لم تستعد توازنها كاملا. بقي الجيش في قلب السياسة، يشارك ضباطه في صناعة القرار ويضغطون على اتجاهاته السياسية، بينما كان البعثيون يتقدمون في الجامعات والشارع وبعض الدوائر العسكرية، والشيوعيون يحتفظون بتنظيم يفوق وزنهم العددي، والسياسيون التقليديون يحاولون الإمساك بمؤسسات تتحرك أسرع مما تسمح به أدواتهم القديمة.

الرئيس السوري شكري القوتلي (وسط) وإلى جانبه السياسي البارز فارس الخوري (بنظارته الداكنة) وسط شخصيات سياسية (مواقع التواصل)

في التقديرات الأمريكية لتلك الحقبة، بدت سوريا بلدا مفتوحا على الانقلابات والاغتيالات والتدخلات الخارجية. وقد ظهرت القوى المحافظة القريبة من الغرب مُشتَّتة، في حين امتلك حزب البعث والضباط المتحالفون معه نفوذا أكبر من حضورهم البرلماني. وفي هذا المناخ، تحرك خالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري اللبناني، في شارع صار أكثر استعدادا لسماع خطاب العدالة الاجتماعية ورفض الأحلاف، بينما تابعت قوى إسلامية تمدد اليسار بين الطلاب والنقابات بقلق متزايد. حتى الأحزاب المدينية والبرجوازية والإقطاعية وجدت نفسها مضطرة إلى استعارة مفردات القومية والإصلاح الاجتماعي، بعدما صار القاموس القديم عاجزا عن مخاطبة بلد يتبدل تحت ضغط الشارع والجيش والحرب الباردة.

على الخريطة، بدت هشاشة دمشق أكبر من حدودها الداخلية. شمالا تقف تركيا، وشرقا العراق الهاشمي الداخل في حلف بغداد، وغربا لبنان المفتوح على التنافس العربي والدولي، وجنوبا فلسطين والأردن وإسرائيل. ولذلك كان أي اضطراب في سوريا قابلا لأن ينتقل سريعا إلى جوارها. وفوق ذلك كله، منحت خطوط النفط العابرة في الأرض السورية أو المتأثرة بها للاضطراب بُعدا إضافيا في حسابات الغرب، خصوصا بعد أن كشفت السويس كلفة المخاطرة باضطراب تدفق النفط وطرق نقله.

"ظهرت القاهرة ثقلا عربيا قادرا على موازنة العراق وتركيا، وتحول الاقتراب منها إلى موقف ضد حلف بغداد لا إلى تعاطف عابر مع مصر"

داخل هذه الجغرافيا، ظهر حلف بغداد بمثابة طوق سياسي يقترب من دمشق من الشرق والشمال، لا كترتيب دفاعي بعيد عنها. في الشارع السوري وداخل الجيش، أثار محور أنقرة وبغداد ريبة واسعة، لأن العراق الملكي بدا لكثيرين مشروعا يريد جذب سوريا إلى الغرب، وربما إلى صيغة وحدوية أو اتحادية تقودها عائلة هاشمية حليفة للندن وواشنطن. من هذه الثغرة دخل عبد الناصر إلى المزاج السوري، إذ لم يكن بحاجة إلى السيطرة على قرار دمشق كي يصبح حاضرا فيها، وكان يكفي أن تظهر القاهرة ثقلا عربيا قادرا على موازنة العراق وتركيا، وأن يتحول الاقتراب منها إلى موقف ضد حلف بغداد لا إلى تعاطف عابر مع مصر.

بينما رفضت مصر وسوريا "مبدأ أيزنهاور" رأت فيه تركيا فرصة لتعزيز التدخل الأمريكي لدعم "حلف بغداد" (شترستوك)

ومع دخول عام 1957، منح مبدأ أيزنهاور هذا الصراع قاموسا أمريكيا أكثر صراحة. فقد وعد المبدأ، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي في يناير/كانون الثاني وأقره الكونغرس في مارس/آذار، دول الشرق الأوسط بالمساعدة الاقتصادية والعسكرية في مواجهة الشيوعية الدولية. رفضت مصر وسوريا مبدأ أيزنهاور مبكرا، واعتبرتاه محاولة أمريكية لوراثة موقع بريطانيا وفرنسا بعد السويس، بينما وجدت فيه أنقرة طريقا آخر لإسناد حلف بغداد إلى واشنطن. وفي لقاءات ذلك الربيع، كان مندريس يلح على أن الخطر في المنطقة يحتاج إلى فرز واضح بين الأصدقاء المعلنين والحكومات التي يراها مهددة للسلام. وحين تحدث مع المبعوث الأمريكي جيمس ريتشاردز في مارس/آذار، وصف الولايات المتحدة بأنها عضو "بثلثي العضوية" في حلف بغداد، وأنها بحاجة إلى أن تتحول إلى العضوية الكاملة.

في غضون ذلك، تجاوز حضور عبد الناصر في الداخل السوري بعد السويس التعاطف السياسي العابر. فقد كانت الإذاعة المصرية، وخطاب القومية العربية، وصورة القاهرة وهي تخرج من العدوان بثقل أكبر، قد منحت القوى المناهضة للأحلاف مفردات جاهزة لمخاطبة الشارع والجيش معا. في داخل المؤسسة العسكرية، صار اسم عبد الناصر جزءا من معادلة الشرعية، وظهر عبد الحميد السراج، رجل الاستخبارات العسكرية الصاعد، في بعض التقديرات الأمريكية معجبا بسياسة عبد الناصر، وقريبا من طريقته في إدارة الأمن والتعبئة، ومن حوله تحرك ضباط قوميون وبعثيون ويساريون، جمعهم خوفهم من حلف بغداد والريبة من نوايا نوري السعيد، وجاذبية القاهرة التي وفرت ثقلا موازنا قويا.

عبد الحميد السراج (يمين) وجمال عبد الناصر (الجزيرة الوثائقية)

دفع صيف عام 1957 هذا الميل إلى منطقة أشد حساسية. فقد ذهب وزير الدفاع السوري خالد العظم إلى موسكو، ووقع في 6 أغسطس/آب اتفاقا اقتصاديا وتقنيا واسعا مع الاتحاد السوفياتي. وجاءت الزيارة ضمن مسار من شحنات السلاح السوفياتي والعقود الفنية والاقتصادية، بينها مشاريع أثارت قلق واشنطن ولندن، مثل عقد مصفاة النفط السورية الأولى مع شركة تشيكوسلوفاكية. وبعد أيام انفجرت أزمة الدبلوماسيين الأمريكيين، ثم أُبعد توفيق نظام الدين عن رئاسة الأركان، ليحل مكانه عفيف البزري في 17 أغسطس/آب، وهو الضابط الذي كانت المصادر الغربية تصفه بالتعاطف مع السوفيات. ومع إجراءات التطهير داخل الجيش، بدا أن مركز الثقل في دمشق يبتعد أكثر عن الساسة التقليديين، ويتجه نحو ضباط وأجهزة أمن وأحزاب تملك القدرة على التأثير في الشارع والقرار معا.

"بدت دمشق في واشنطن كأنها الحلقة التي تنفلت إلى مدار موسكو"

بدت دمشق في واشنطن، كأنها الحلقة التي تنفلت إلى مدار موسكو. تجنَّب وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس في العلن وصف سوريا بأنها باتت خاضعة للشيوعية الدولية، لكنه كان يتحدث في الغرف المغلقة عن نمط سوفياتي مألوف، يبدأ عادة من خلال مساعدات اقتصادية وعسكرية، ثم تسلل رجال قريبين من موسكو إلى مواقع الدولة، وصولا إلى بلد تتحرك بوصلته نحو العاصمة السوفياتية. غير أن هذا القاموس الأمريكي ظل عاجزا عن تفسير المزاج السوري من داخله، فهناك كانت مفردات الاستقلال وفلسطين ورفض الوصاية والخوف من بغداد والغضب من الأحلاف أقدر على إقناع الشارع والضباط، من لغة الخطر الشيوعي التي ردَّدتها واشنطن.

في أنقرة، بدا الخطر نفسه أقرب إلى الحدود وأشد مباشرة. فسوريا تلاصق الخاصرة الجنوبية لتركيا، وأي تحول في دمشق يمكن أن يظهر على شكل سلاح أو أو اضطراب عند خط الحدود. وبعد لقاءات تركية عراقية في أغسطس/آب 1957، قال مندريس للسفير الأمريكي إن سوريا تتحول إلى مستودع أسلحة قد يستخدمه آخرون عند الحاجة، في إشارة إلى الاتحاد السوفياتي.

توقيع وزير الدفاع السوري خالد العظم لاتفاقيات تسليح وتعاون مع موسكو أثار فزع واشنطن وأنقرة (مواقع التواصل)

ردا على ذلك، جاءت مهمة الدبلوماسي لوي هندرسون في جولة حول دمشق لا إليها. فقد أرسلته واشنطن إلى المنطقة في أواخر أغسطس/آب للتشاور مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، متجنبا العاصمة السورية نفسها. في إسطنبول، ناقش هندرسون مع مندريس والسفير الأمريكي وارن خطورة المسار السوري، وتظهر الوثائق الأمريكية أن الاحتمالات المطروحة شملت إجراءات شبه عسكرية إذا اندفعت الأزمة إلى مستوى أخطر. غير أن الحسابات في واشنطن لم تغفل الكلفة السياسية لأي تحرك تركي منفرد، إذ إن تدخُّلا كهذا كان ليمنح خصوم أنقرة ذخيرة واسعة داخل سوريا والعالم العربي، ويدفع سوريين كثيرين، حتى ممن لا يثقون بالشيوعيين، إلى الاصطفاف ضد أي قوة تركية يمكن أن تتدخَّل باسم مكافحة الشيوعية.

أما العراق، الذي أرادته واشنطن ولندن غطاء عربيا لأي ضغط على دمشق، فكان مترددا بدوره. بعد خروج نوري السعيد من رئاسة الحكومة في يونيو/حزيران، جاء علي جودت الأيوبي بسياسة أكثر حساسية تجاه المزاج العروبي وأقل استعدادا للمغامرات المرتبطة بالتحالف الغربي. وفي بيروت بدت التوازنات اللبنانية أرق من احتمال الدخول في مواجهة مفتوحة. وحتى في لندن، المثقلة بتبعات الإخفاق السياسي في السويس، خشيت أن يؤدي ضغط غربي خشن على سوريا إلى تفجير النفط والشارع معا.

"قال عبد الناصر إن السوريين لا يريدون أن يكونوا تابعين للسوفيات، لكن الضغط الغربي يجبرهم على ذلك"

وسط هذه القيود، وجدت تركيا نفسها الطرف الأكثر استعدادا للضغط، والأقل قدرة على منحه قبولا عربيا. من القاهرة، قرأ عبد الناصر الخطر على سوريا بمنطق بلد يتعرض لدفع خارجي أكثر مما يختار طريقه بحرية. في حديثه مع السفير الأمريكي رايموند هير في 31 أغسطس/آب 1957، قال عبد الناصر إن السوريين لا يريدون أن يكونوا تابعين للسوفيات، وإن التلويح بالأسطول السادس، أو دعم المنشقين، أو التهديد التركي، سيدفعهم إلى موسكو بدلا من أن يبعدهم عنها.

في 5 سبتمبر/أيلول بدأت واشنطن تسريع المساعدات العسكرية للعراق والأردن ولبنان، وردَّت القاهرة بعد أيام بلهجة حادة، ورأت في الخطوة محاولة لتفتيت الوحدة العربية وتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة نفوذ أمريكية. وحين أعلنت مصر تأييدها لسوريا ضد أي هجوم، اكتملت الحلقة التي خشيتها أنقرة. فكل ضغط على دمشق يمنح عبد الناصر فرصة للكلام باسم الدفاع عن العرب، وكل دعم أمريكي يظهر في الصحافة المصرية والسورية عملا موجها ضد الوحدة العربية، لا إجراء ضد الشيوعية. وكانت تلك ذروة التوتر المصري الأمريكي آنذاك.

دخلت موسكو على الخط برسالة زادت الأزمة ثقلا. فقد بعث رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي نيكولاي بولغانين رسالة إلى مندريس في 10 سبتمبر/أيلول مُتهما تركيا بالتعاون مع الولايات المتحدة، وبالتهيؤ للهجوم على سوريا، وسائلا بلهجة تهديدية محسوبة عما ستشعر به أنقرة لو حُشدت وحدات عسكرية أجنبية على حدودها. رد مندريس نافيا، وقال إن سوريا نفسها لم تتقدم بشكوى، وإن القوات التركية تقوم بتدريبات وإجراءات دفاعية داخل أراضيها. ثم عاد إلى حجته الأساسية، بأن دمشق تتسلح على عجل وبما يتجاوز حدود الدفاع المعقول، وتتحول إلى مخزن للسلاح، ورسالة موسكو نفسها تثبت، في نظره، أن الاتحاد السوفياتي تبنى سوريا والمسألة السورية معا.

رئيس الوزراء السوفياتي نيكولاي بولغانين (الثاني يمين) أرسل رسالة إلى مندريس مُتهما تركيا بالتعاون مع الولايات المتحدة للهجوم على سوريا (الفرنسية)

انتقل التوتر من البرقيات إلى الحدود. ففي أواخر سبتمبر/أيلول، تحدثت تقارير عن إرسال تركيا فرقتي مشاة ووحدة آلية كبيرة إلى المنطقة الجنوبية، ثم عن تعزيز إضافي بلواء مدرع في أوائل أكتوبر/تشرين الأول. قالت أنقرة إن ما يجري لا يتجاوز إجراءات احترازية وتدريبات داخل أراضيها. أما في دمشق، فقد قدَّم رئيس الأركان عفيف البزري صورة مختلفة للصحفيين الأجانب، فتحدث عن فرقة مدرعة تركية على الأقل قرب الحدود، واتهم سفن الأسطول السادس بالاقتراب من المياه السورية، والطائرات الأمريكية بالتحليق فوق اللاذقية.

على الساحل اتخذ التصعيد لغة أخرى، إذ رست قطع بحرية سوفياتية في ميناء اللاذقية السوري يوم 21 سبتمبر/أيلول، ثم وصلت حاملة الصواريخ الأمريكية "كانبيرا" وسفن من الأسطول السادس إلى إزمير التركية في أكتوبر/تشرين الأول. أدت السفن وظيفتها من دون إطلاق نار. ظهرت موسكو عند الساحل السوري، وواشنطن عند الساحل التركي، بينما رفعت دمشق صوتها في الأمم المتحدة، وأخذت أنقرة تزن خطواتها حتى لا تمنح الرواية السورية السوفياتية دليلا إضافيا. ثم رفع خروتشوف النبرة في 9 أكتوبر/تشرين الأول، قائلا إن السوفيات أقرب إلى تركيا من الأمريكيين، وإن البنادق إذا أطلقت فستبدأ الصواريخ بالطيران، ومن ثمَّ ردَّت واشنطن بتأكيد التزامها بالدفاع عن تركيا إذا تعرضت لهجوم سوفياتي.

"حاول العاهل السعودي الملك سعود بن عبد العزيز أن يفتح مسارا عربيا للتهدئة قبل أن تنزلق الأزمة إلى مواجهة أوسع"

في ذروة التصعيد، حاول العاهل السعودي الملك سعود بن عبد العزيز أن يفتح مسارا عربيا للتهدئة قبل أن تنزلق الأزمة إلى مواجهة أوسع، وزار دمشق في 25 سبتمبر/أيلول، والتقى الرئيس شكري القوتلي وقادة سوريين، ثم أكد البيان المشترك أن السعودية ستساعد سوريا، وأي دولة عربية، إذا تعرضت لهجوم. عاد الملك لاحقا عبر بيروت ليعرض الوساطة بين أنقرة ودمشق. قبلت تركيا العرض، وأرسلت إلى الرياض في 22 أكتوبر/تشرين الأول وفدا برئاسة فاتن رشدي زورلو، بينما قبلت سوريا مبدئيا ثم تراجعت عن إرسال وفدها.

سبقت القاهرة اكتمال هذا المسار بخطوة أكثر تأثيرا. فعلى رصيف اللاذقية ظهر الدعم المصري لسوريا في صورة جنود وسفن، بعدما أعلنت القاهرة ودمشق في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1957 إرسال قوات مصرية إلى الميناء لدعم الدفاع السوري. من الناحية العسكرية، لم تكن تلك القوة وحدها كافية لردع تركيا إن قررت الحرب، لكن أثرها السياسي تجاوز حجمها. ما كان يصل إلى السوريين عبر الراديو والصحف صار مرئيا على الساحل. وبدت رسالة عبد الناصر بأن دمشق ليست وحدها واضحة من غير حاجة إلى خطبة طويلة. أما في أنقرة، فقد تحولت الناصرية من صوت بعيد إلى حضور عسكري منظور على ساحل سوري قريب من خاصرتها الجنوبية.

بعد حشد اللاذقية، انتقل صوت دمشق إلى نيويورك. حملت سوريا القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 أكتوبر/تشرين الأول، مطالبة بمناقشة ما عدته تهديدات موجهة إلى أمنها وإلى السلم الدولي. سبق ذلك تبادل مذكرات حاد، إذ تحدثت مذكرة سورية عن تحصينات تركية قرب الحدود، وانتهاكات جوية، وإطلاق نار على قرى سورية، واختطاف سوريين من جانب جنود أتراك. وردت أنقرة في 15 أكتوبر/تشرين الأول بأن الاتهامات بلا أساس، وأن إجراءاتها داخل أراضيها مشروعة ومتصلة بالموقف السوفياتي، لا برغبة في العدوان على سوريا.

بدأ الاشتباك الدبلوماسي يفقد حدته مع نهاية أكتوبر/تشرين الأول. إذ طُرح مشروع سوري لتشكيل لجنة تحقيق على الحدود، ومشروع آخر يدعو إلى حل المسألة عبر مفاوضات بوساطة الأمين العام للأمم المتحدة، ثم اقترح ممثل إندونيسيا عدم التصويت على أي من المشروعين، وأن تترك تركيا وسوريا باب التسوية الودية مفتوحا. سحبت دمشق مشروعها، وسُحب المشروع الآخر، وخرجت الأزمة من جدول أعمال الأمم المتحدة من دون قرار كبير.

مثل تهديد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف الحاد لأنقرة ذروة التصعيد الدولي في الأزمة السورية (الفرنسية)

أزمة فتحت باب الوحدة

تراجعت احتمالات الحرب التي خشيتها العواصم في خريف عام 1957. لم تدخل تركيا سوريا، ولم تسقط حكومة دمشق، ولم تنزلق الأزمة إلى صدام مباشر بين واشنطن وموسكو. غير أن أثرها بقي أثقل من خاتمتها الهادئة. خرجت سوريا أكثر التصاقا بالقاهرة، وأشد ريبة من حلف بغداد، وأكثر اقتناعا لدى قطاعات من ضباطها وسياسييها بأنها أضعف من أن تواجه وحدها هذا الضغط كله.

داخل هذا المناخ، صار خيار الوحدة مع مصر في فبراير/شباط 1958 مفهوما بوصفه امتدادا لأزمة عام 1957، لا اندفاعا عاطفيا خارج سياقها. بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السوريين، بدت الوحدة مخرجا من خوفين متداخلين. فوضى الداخل وضغط الضباط والأحزاب، والتطويق الخارجي بين تركيا والعراق والغرب. أما في أنقرة، فحملت الجمهورية العربية المتحدة مفارقة دقيقة، فسوريا التي تدخل في كيان يقوده عبد الناصر القومي بدت، في بعض التقديرات التركية، أقل خطرا من سوريا تنزلق إلى وضع شيوعي كامل على الحدود الجنوبية.

"بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السوريين، بدت الوحدة مع مصر مخرجا من خوفين متداخلين: فوضى الداخل والتطويق الخارجي"

بعد إعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، قال عبد الناصر للسفير التركي في القاهرة فائق ذهني أكدور إن البلدين أصبحا جارين، وإنه يتفهم مخاوف تركيا من الشيوعيين في سوريا، مثلما ينتظر من تركيا أن تتفهم مخاوف مصر من إسرائيل. ولم يدفع مسألة هاتاي "الإسكندرونة" إلى الواجهة، كأنه أراد تركها للزمن بدل تحويلها إلى عقبة مبكرة أمام تهدئة ممكنة.

عند حافة الأزمة السورية، بدا أن الطريق الذي بدأ من قناة السويس بلغ أحد أهم محطاته وثماره، ففي اللاذقية وعلى الحدود التركية السورية خرجت آثار العدوان الثلاثي من كونها بداية مرحلة سياسية في المنطقة، إلى كونها نقطة انطلاق مشروع عروبي كامل، وصار عبد الناصر حاضرا في دمشق لا رمزا فحسب، بل رئيسا لدولة واحدة، بينما رأى عدنان مندريس في سوريا نقطة التقاء بين الخوف التركي من موسكو وصعود الناصرية على حدود بلاده الجنوبية؛ خيارين كان أحلاهما مرا، قبل أن ينقلب عليه جيشه عام 1960، وتتخذ السلطات الجديدة في تركيا مسارا أكثر تجاوبا مع العالم العربي، لا سيما بعد بدء توتر علاقات تركيا والولايات المتحدة عام 1964.

من بعد السويس، وفي سوريا، اتضح أن القوة في الشرق الأوسط الجديد آنذاك باتت تقاس بالقدرة على مخاطبة جمهور تغير وجدانه، وأن الشارع العربي بات جزءا من المعادلة لا يمكن تجاوزه. لقد امتلك عبد الناصر ناصية اللغة التي صاغت مشروع الوحدة العربية، لكنه ظل محكوما بحدود الدولة التي أنتجته، وامتلك مندريس أدوات الأمن والموقع والتحالف الغربي، لكنه افتقر إلى شرعية تقنع الشارع العربي في لحظة رأى فيها الغرب من نافذة بورسعيد لا من قاموس الحرب الباردة وهواجس تأمين المضائق.

وهكذا، كشفت سوريا حدود القوتين معا لتأتي الوحدة المصرية السورية ذروة رمزية لما بدأ في السويس، قبل أن تكشف السنوات اللاحقة أن الأحلام العربية أيضا، وليس الأحلاف الغربية فقط، يمكن أن تكون أكثر هشاشة من صورتها البراقة للوهلة الأولى.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink