Categories
الفقد والدمار والتفاهم الأمريكي الإيراني.. العائدون لجنوب لبنان يتحدثون للجزيرة نت
الفقد والدمار والتفاهم الأمريكي الإيراني.. العائدون لجنوب لبنان يتحدثون للجزيرة نت
استمعاستمع (7 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 44 ثانية play-arrow02:44نجية دهشةPublished On 16/6/202616/6/2026جنوب لبنان – على الطريق الممتد من صيدا إلى عمق الجنوب اللبناني، يبدو المشهد مختلفا عما كان عليه قبل أشهر. السيارات التي كانت تحمل العائلات النازحة شمالا عادت تسلك الاتجاه المعاكس، محملة هذه المرة بحقائب العودة لا حقائب النزوح.
غير أن هذا المشهد الذي يوحي باستعادة الحياة تدريجيا لا يخفي حقيقة أخرى؛ فالجنوب لا يزال يعيش بين هدنة سياسية وآثار حرب لم تغادر المكان بعد.
فمنذ الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني وما رافقه من تراجع في مستوى التوتر الإقليمي، انخفضت وتيرة المواجهات المباشرة على الجبهة اللبنانية.
لكن الجنوب لم يصل بعد إلى مرحلة الاطمئنان الكامل. فالمخاوف من انهيار التفاهمات أو عودة التصعيد ما زالت حاضرة في أحاديث الأهالي الذين بدأوا رحلة العودة إلى قراهم وبلداتهم.
ورغم الحديث عن تهدئة إقليمية، لا تزال الوقائع الميدانية تطرح أسئلة حول مدى استقرار الوضع الأمني. ففي محيط النبطية، حاولت مدرعات وآليات إسرائيلية التقدم من أطراف بلدة كفرتبنيت باتجاه مرتفعات علي الطاهر، لكن محاولة التقدم انتهت بتراجع هذه القوات بعد استهدافها بصاروخين مضادين للدروع من نوع "كورنيت"، في مشهد أعاد إلى الأذهان ما جرى بعد وقف الأعمال العدائية أواخر عام 2024، حين واصلت القوات الإسرائيلية التقدم وفرض وقائع ميدانية جديدة رغم إعلان التهدئة.
ويشير هذا التطور إلى أن الجنوب لا يزال يعيش حالة ترقب حذر، في ظل غياب أي انسحاب إسرائيلي كامل من بعض النقاط والمناطق التي شهدت توغلات خلال الحرب، ما يجعل التهدئة القائمة أقرب إلى وقف هش للتصعيد منها إلى استقرار نهائي.
لكن، بعيدا عن الحسابات العسكرية، تبدو الأولوية لدى الأهالي مختلفة تماما، فالسؤال الأهم بالنسبة إلى كثيرين لم يعد مرتبطا بمسار التفاهمات السياسية بل بموعد العودة إلى المنزل، حتى لو كان مدمرا.
إعلانيقول أبو الحسن للجزيرة نت إن العودة إلى المنزل، مهما كانت الأضرار التي لحقت به، تبقى شعورا يصعب وصفه، ويؤكد أن استعادة الحياة في القرى والبلدات الجنوبية لم تكن لتتحقق لولا ما تحمله السكان من أعباء النزوح وصبرهم على ظروف قاسية فرضتها الحرب.
ويضيف أن آلاف العائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها وممتلكاتها بحثا عن الأمان، لكن التمسك بالأرض ظل أقوى من الخوف، ورغم القلق المستمر من احتمال تجدد التصعيد، يؤكد أن أبناء الجنوب لن يتخلوا عن خيار العودة، معتبرا أن تجربة النزوح زادت ارتباطهم بقراهم ومنازلهم بدلا من أن تضعفه.
وعلى الطريق المؤدي إلى قضاء صور، يستعد فضل ناصر للعودة إلى بلدته عين بعال بعد أكثر من 3 أشهر من النزوح، يحمل الرجل مزيجا من الشوق والقلق، إذ لم يتمكن طوال تلك الفترة من رؤية منزله أو معرفة حجم الأضرار التي لحقت به.
يقول للجزيرة نت إنه أمضى أشهر النزوح في إحدى مدارس صيدا، قبل العودة رغم الغموض الذي يحيط بمصير منزله، ويضيف: "الحمد لله، مهما كان الواقع الذي سنجده، سنحاول التأقلم معه".
اختار ناصر العودة على متن دراجة نارية، بعدما تحولت الطرقات المؤدية إلى الجنوب إلى شرايين مفتوحة للعائدين، ومع أن حركة السير ما زالت خجولة، فإنها باتت من أبرز ملامح المرحلة الحالية، إذ تشهد الطرق الرئيسية توافدا متزايدا للسكان إلى قراهم وبلداتهم بعد أشهر من الغياب.
وفي "دير قانون النهر"، لا تروي المنازل المدمرة وحدها قصة الحرب، بل أيضا صور الغائبين الذين لم يعودوا مع أهلهم. يقف محمد حريري أمام منزل العائلة حيث تختلط آثار الدمار بذكريات الفقد، مستحضراً ابنه وابن شقيقته اللذين قتلا خلال إحدى الغارات الإسرائيلية على البلدة.
ويقول للجزيرة نت إن خسارة الأحبة تبقى أقسى من خسارة الحجر، فالمنازل يمكن إعادة بنائها مهما بلغ حجم الدمار الذي أصابها.
ورغم ذلك، يؤكد أن الأهالي عادوا إلى بلدتهم حتى قبل انتهاء عمليات الترميم وإعادة الإعمار، ولجأت بعض العائلات إلى منازل الأقارب أو إلى مساكن مؤقتة بانتظار إصلاح بيوتها.
وفي أحياء عدة من دير قانون النهر والقرى المجاورة، بدأت بعض المحال التجارية تفتح أبوابها مجددا، وعادت خدمات محدودة إلى العمل، في مؤشرات أولية على عودة الحياة، وإن كانت لا تزال بعيدة عن صورتها الطبيعية.
أما في النبطية، فتبدو آثار الحرب أكثر وضوحا. وفي حديث للجزيرة نت يقول مختار المدينة حسين برجاوي إن حجم الدمار في بعض الأحياء تجاوز 70%، ما يجعل إعادة الإعمار مهمة شاقة وطويلة.
ويؤكد أن الأهالي عادوا إلى منازلهم فور توافر الفرصة، من دون انتظار أي دعوات أو توجيهات رسمية، في مشهد يعكس عمق ارتباط أبناء الجنوب بأرضهم.
ويضيف أن التحدي اليوم لا يقتصر على إزالة الركام وإصلاح الأبنية المتضررة، بل يشمل أيضا إعادة الخدمات الأساسية وتأمين مقومات الحياة التي تسمح للسكان بالاستقرار مجددا.
وعلى امتداد الجنوب، لا يزال الركام حاضراً في المشهد اليومي. مبانٍ سكنية مدمرة كليا أو جزئيا، واجهات تجارية محطمة، طرقات تحتاج إلى صيانة، وبنية تحتية أنهكتها أشهر طويلة من القصف.
إعلانومع ذلك، تبدو حركة الناس أكثر حضوراً من أي وقت مضى، وكأن السكان يسابقون الزمن لإثبات أن الحياة قادرة على العودة.
هكذا يقف الجنوب اللبناني اليوم عند تقاطع معقد بين السياسة والميدان. فالتفاهم الأمريكي الإيراني خفف منسوب التوتر وفتح نافذة لالتقاط الأنفاس، لكنه لم يبدد تماما هواجس الحرب.
وبينما تستمر الأسئلة حول مستقبل المواجهة واحتمالات الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي شهدت توغلات، ينشغل أبناء القرى الجنوبية بسؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن إعادة بناء حياة هدمتها الحرب؟
وفي انتظار الإجابة، تبدو العودة نفسها شكلا من أشكال المقاومة اليومية؛ عودة إلى منزل متضرر، إلى متجر فقد واجهته، إلى قرية أنهكها القصف، لكن أهلها ما زالوا يصرون على أن تكون عامرة بالحياة من جديد.