Categories
كتاب "تخيل الذكاء الاصطناعي".. بين الأساطير ومرآة الشعوب
كتاب "تخيل الذكاء الاصطناعي".. بين الأساطير ومرآة الشعوب
استمعاستمع (6 دقيقة)حفظ
شارِكْ كتاب "تخيل الذكاء الاصطناعي".. بين الأساطير ومرآة الشعوب على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي منجزا تكنولوجيا يلامس تفاصيل حياتنا اليومية، كان في الأساس "ظاهرة ثقافية" تضرب بجذورها في المخيال الثقافي والفكري الذي طورته الشعوب عبر حقب زمنية مختلفة.
من هذا المنطلق، تبرز الأهمية القصوى لصدور ترجمتين عربيتين حديثتين لكتابين مهمين يتخذان من تصورات الشعوب للذكاء الاصطناعي موضوعا لهما.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2تبغ وقهوة وقلم رصاص.. هكذا كتب فواز حداد تاريخ سوريا الحديث
- list 2 of 2حين يُفتي خبير الأمن.. لماذا يستحيل الظلم على الله في الإسلام؟
الكتاب الأول هو "سرديات الذكاء الاصطناعي: تاريخ التفكير الإبداعي حول الآلات الذكية" (2020). أما الثاني فيأتي تحت عنوان "تخيل الذكاء الاصطناعي: كيف يرى العالم الآلات الذكية" (2023)، من تحرير ستيفن كايف وكانتا ديهال.
ولعل اتساع الأفق في الكتاب الثاني، وتجاوزه للمركزية الأنجلو-أمريكية لينفتح على المخيال العالمي بشمولية (بما في ذلك أفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا، وأمريكا اللاتينية)، هو ما جعله الموضوع الرئيس لهذه القراءة، على أن تُرجأ مراجعة الكتاب الأول لمقال قادم.
خريطة عالمية للمخاوف والطموحات
يقع الكتاب في 555 صفحة، ويُعد أحد أبرز مخرجات مشروع "سرديات الذكاء الاصطناعي العالمية" الذي أطلقه مركز ليفرهيوم لمستقبل الذكاء بجامعة كامبريدج، بالشراكة مع تسع مؤسسات في ست قارات.
تضمن هذا المشروع عقد عشرين ورشة عمل بين عامي 2018 و2021 في مدن تمتد من طوكيو وبكين، مرورا بروسيا وبراغ وبرلين، وصولا إلى القاهرة وجنوب أفريقيا والهند وتشيلي؛ للوقوف على كيفية مساهمة الأساطير والأيديولوجيات المحلية في تشكيل طموحات الشعوب ومخاوفها.
ينطلق المحرران من حقيقة أن مصطلح الذكاء الاصطناعي، وإن نشأ في الولايات المتحدة، إلا أن تطبيقاته تُستهلك حاليا على مستوى العالم، ويتعاطى كل شعب معها انطلاقا من قصصه الخاصة.
ومن خلال منهج "مقارنة السرديات"، يكتشف الكتاب تباينات ثقافية مذهلة؛ فبينما تميل دول ما بعد الاستعمار إلى استخدام سرديات الذكاء الاصطناعي (الخيالية وغير الخيالية) من أجل "بناء الأمة"، تميل سرديات كوريا الجنوبية وروسيا والهند إلى تعزيز روح "المقاومة" ضد الدول المهيمنة على تطوير التكنولوجيا (مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة).
إعلانويشتمل الكتاب على خمسة وعشرين فصلا مرتبة جغرافيا، تبدأ بمقدمة مفاهيمية، تليها مقارنة عابرة للثقافات حول كيفية الإشارة إلى الآلات الذكية في خمس مجموعات لغوية كبرى (الجرمانية، السلافية، اللاتينية، الصينية، واليابانية)، ليتنقل بعدها بين قارات العالم.
واحة الذكاء الاصطناعي.. شهادة من الداخل
يُفرد الكتاب مساحة وافية لمنطقتنا في الفصل الثامن عشر تحت عنوان "واحة الذكاء الاصطناعي: تخيل الآلات الذكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، وهو ثمرة تعاون بين فريق جامعة كامبريدج ومركز الوصول إلى المعرفة من أجل التنمية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بقيادة د. نجلاء رزق، وبمساهمة الباحثين كانتا ديهال، توماس هولانك، نادين وهبة، وستيفن كايف.
ومن واقع مشاركتي الشخصية في ورشة العمل التي احتضنتها الجامعة الأمريكية عام 2019، لمستُ عن قرب كيف يمتلك العقل العربي تصورات عميقة حول الآلات الذكية لا تنفصل عن إرثه التاريخي؛ حيث يناقش هذا الفصل تاريخ تصور المنطقة للآلات الذكية، بدءا من اختراع آلات ذاتية الحركة في الإسكندرية القديمة على يد مهندسين مثل "هيرو السكندري"، مرورا بالعصر الإسلامي الذهبي (ما بين القرنين التاسع والرابع عشر)، وصولا إلى اللحظة الراهنة التي يسيطر فيها المخيال الغربي على التكنولوجيا.
ويتتبع الفصل كيف يُشكل ماضي المنطقة وتجربتها مع الاستعمار، وصراعاتها السياسية والاقتصادية المعاصرة، سردياتها التكنولوجية عبر الخيال العلمي والدراما التلفزيونية.
تفكيك أسطورة "الصحراء التكنولوجية"
لعل النقطة الأهم والأكثر اشتباكا في هذا الفصل، هي تفكيكه الحاسم للسردية الغربية المغلوطة التي تنظر للمنطقة بوصفها عاجزة عن مواكبة التقنيات الناشئة؛ وهو ما يُطلق عليه المؤلفون مصطلح "الصحراء التكنولوجية".
يرى الكتاب أن هذه النظرة تمثل امتدادا لسردية "التراجع الحضاري" التي سيطرت على خطابات التنمية في الماضي، ويخلص إلى أن مثل هذه السرديات الاستشراقية تقوّض إمكانات المنطقة، ولا تعكس حقيقة قدراتها الكامنة، بل وتُبعد دولها ظلما عن النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.
إن ترجمة هذا العمل الضخم تمثل خطوة مفصلية لفتح أفق جديد أمام القارئ العربي لإدراك أن خوارزميات المستقبل لا تُكتب بلغة البرمجة وحدها، بل تُنسج من ذاكرة الشعوب وتاريخها.
ومع صدور هذا الجهد المعرفي، يبقى السؤال الأهم معلقا برسم المستقبل: هل سنكتفي في العالم العربي باستهلاك تكنولوجيا صُممت وفق مخاوف الثقافة الغربية وهواجسها، أم حان الوقت لنكتب شيفراتنا الخاصة المستلهمة من هويتنا، ونحجز مقعدنا كمنتجين فاعلين في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي؟
- أكاديمية بجامعة كامبريدج وجامعة المنيا
شارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink