Categories
مقابر قُصفت.. حين لم يسلم الموتى من الحرب في جنوب لبنان
مقابر قُصفت.. حين لم يسلم الموتى من الحرب في جنوب لبنان
استمعاستمع (7 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 26 ثانية play-arrow02:26نجية دهشةPublished On 5/7/20265/7/2026جنوب لبنان- لا يبحث حسن حلال عن قبر ابنته بين صفوف الشواهد، فهو يعرف الطريق إليه عن ظهر قلب. لكنه، رغم ذلك، يتباطأ كلما اقترب، كأن المسافة لم تعد تُقاس بالأمتار بل بما انكسر داخله منذ ذلك اليوم.
في مقبرة بلدة ميفدون، لم تعد الأرض كما كانت، الزجاج المكسور يتناثر بين القبور، وحجارة اقتُلعت من مواقعها بفعل الغارات الإسرائيلية. شواهد انحنت تحت وقع الانفجارات، وأخرى تشققت كأنها تشارك الأحياء هشاشتهم، فيما غطت طبقة غبار خفيفة أسماءً كان يُعتقد أن الموت منحها أخيرا سلاما لا تطاله الحروب.
يصل حسن إلى قبر طفلته نرجس، يمسح الأرض بيده ببطء، يزيح غصن شجرة يابس سقط على الشاهد، ثم يقف صامتا. لا دعاء يخرج، ولا بكاء واضح، وحده الصمت يبدو اللغة الوحيدة الممكنة أمام ما لا يُقال.
قبل أشهر فقط، كانت نرجس تركض في أرجاء المنزل، تملأه بأسئلتها الصغيرة وضحكاتها المتقطعة، طفلة في الخامسة، كانت تكبر بسرعة أكبر من عمرها، ومن قدرة أبيها على تخيل الغياب.
في ليل 2 مارس/آذار 2026، ومع بداية الحرب على لبنان بعد تبادل القصف بين حزب الله وإسرائيل، تحول اليوم العادي إلى انكسار شامل، كان حسن في عمله حين بدأت الأخبار تتوالى عن غارات واسعة على بيروت والجنوب والبقاع. لم يفهم في البداية حجم ما يجري، لكن شعورا واحدا تسلل إليه: أن شيئا لن يبقى كما كان.
على الهاتف، بدأت الخيوط تنقطع واحدا تلو الآخر، زوجته لا تجيب، الجيران بلا صوت، الأرقام كلها تقود إلى فراغ، وجملة واحدة بقيت تتكرر في الأخبار والشائعات: "البناية دُمّرت".
في تلك الساعات، لم يكن الحزن قد تبلور بعد، بل ارتباك كثيف يشبه الضياع. تنقّل بين المستشفيات، وأرقام الإسعاف، وروايات متناقضة: ناجون هنا، وضحايا هناك، وأحياء في مكان، ومفقودون في كل مكان. حتى استقر الخبر على حقيقته الأخيرة، الثقيلة: طفلته لم تعد موجودة.
منذ ذلك اليوم، لم يعد الطريق إلى المقبرة مجرد زيارة، صار امتدادا للطريق الذي انقطع عند عتبة البيت، لكن الحرب لم تكتفِ بذلك. حين بدأت صور القصف في بلدات الجنوب تنتشر، لم يكن حسن يبحث عن منزله بين الركام، ولا عن متجره الذي احترق بل عن المقبرة نفسها. كان خوفا جديدا يتشكل داخله: ماذا لو لم يجد قبرها؟ ماذا لو تحوّل المكان الوحيد الذي يجمعه بها إلى أثر مفقود؟
إعلانبعد وقف إطلاق النار، عاد أخيرا. دخل المقبرة بخطوات مترددة، يتفحص الشواهد واحدا واحدا. بعضها تهشم، بعضها سقط أرضا، وبعضها بدا كأنه نجا بصعوبة من محو كامل، لكن قبر طفلته كان هناك. لم يكن كما تركه، لكنه كان هناك. وهذا وحده كان كافيا ليمنع عالمه من الانهيار مرة أخرى.
في قرى الجنوب، لم تكن هذه المقبرة حالة منفردة، فالغارات والانفجارات طالت عددا من المقابر، فتصدعت شواهدها، وانهارت أضرحتها، واختلط الركام بالأزهار اليابسة التي تركها الأهالي في زياراتهم الأخيرة.
في مشهد يتكرر بصمت، كان بعض السكان يعودون أولا إلى المقابر قبل البيوت، كأن الاطمئنان على قبور موتاهم أكثر أهمية من البحث عن مصير منازلهم.
في زاوية أخرى، تنحني امرأة مسنة فوق شاهد قبر زوجها في بلدة برج قلاوية بقضاء بنت جبيل، ترفع قطعة رخام انفصلت عن موضعها، تمسح الغبار بطرف وشاحها، ثم تعيدها إلى مكانها بعناية، كأنها تعتذر له لأن الحرب وصلت إليه أيضا.
وبالقرب منها، يقف رجل يتأمل أسماء فقدت حروفها تحت أثر الشظايا، يقول بصوت خافت، للجزيرة نت، إن الموتى لا يخافون القصف، لكن الأحياء يحتاجون إلى مكان يزورون فيه من رحلوا، ليبقوا على صلة بما تبقى منهم.
لم تتوقف آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان عند حدود المنازل والطرقات والحقول، امتدت إلى المقابر التي يفترض أن تكون آخر ما يبقى خارج زمن الصراع. لكنها، في هذه الحرب، دخلت هي الأخرى في دائرة الاستهداف، لتضيف إلى ذاكرة الأهالي وجعا من نوع آخر: وجع المكان الذي يُفترض أنه خارج الخسارة.
وثّقت تقارير حقوقية وصحفية لبنانية أضرارا لحقت بمقابر في بلدات متعددة في جنوب وشرق لبنان، من بينها يحمر الشقيف، ودير قانون النهر، وبرج قلاوية، وشمسطار، والنبي شيت، إضافة إلى قرى أخرى امتدت إليها الغارات وأعمال التجريف.
ولا تقتصر هذه الأضرار على القرى الحدودية، بل تمتد إلى عمق الجنوب والبقاع، حيث طالت عمليات القصف والتجريف مقابر ومواقع دينية، في مشهد يعكس اتساع نطاق الاستهداف خارج قواعد الاشتباك التقليدية.
وتشير مقاربة حقوقية إلى أن المقابر تُصنّف ضمن الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، شأنها شأن دور العبادة والمواقع الثقافية، ويحظر استهدافها أو إلحاق الضرر بها إلا في حالات الاستخدام العسكري المباشر، ما يجعل ما سُجّل في عدد من الحالات موضع مساءلة قانونية وأخلاقية وفق تقارير حقوقية متعددة.
لكن على الأرض، تبدو النصوص القانونية بعيدة عن المشهد، فيما الواقع أكثر قسوة: حجارة متناثرة، وشواهد مكسورة، وأسماء موتى مشوهة، وأهالٍ يحاولون ترميم علاقة لا تنفصم بسهولة بين الحياة والموت.
في المحصلة، لا تبدو المقابر مجرد أماكن للدفن بل خرائط صغيرة للذاكرة، وحين تطالها الحرب، لا يتصدع الحجر فقط، بل تهتز أيضا فكرة الطمأنينة ذاتها.
إعلان المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةسياسة|لبنان