Categories
سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
استمعاستمع (8 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 15 ثانية play-arrow02:15محمد الطراونةPublished On 12/7/202612/7/2026عمّان – في نهاية شارع طلال، أحد أقدم شوارع وسط العاصمة الأردنية عمّان، تصطف واجهات زجاجية تعرض بنادق صيد ومسدسات تاريخية وإكسسوارات للرماية، في مشهد يلفت أنظار الزائرين قبل أن يثير فضولهم.
هنا يقع سوق السلاح، أحد أقدم الأسواق التراثية في الأردن، والذي ارتبط لعقود بتاريخ الفروسية والبادية والصيد، قبل أن يصبح اليوم جزءا من ذاكرة المدينة وتراثها الشعبي.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2يحوي مليون قلم.. قصة دكان في بغداد يحرس ذاكرة الورق من زحف الشاشات
- list 2 of 2شاهد.. ماذا تبقى من أحياء صور التاريخية بعد الغارات الإسرائيلية؟
ورغم اسمه، لا يعكس السوق ثقافة العنف أو حمل السلاح، بل يمثل إرثا تجاريا واجتماعيا يعود إلى بدايات القرن الماضي، في وقت تؤكد فيه التشريعات الأردنية أن اقتناء الأسلحة يخضع لضوابط قانونية صارمة، فيما يُحظر إطلاق العيارات النارية في المناسبات والأماكن العامة، وتفرض على مرتكبيها عقوبات مشددة.
سوق يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي
تشير الروايات التاريخية إلى أن سوق السلاح بدأ بالتشكل في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، عندما افتتح عدد محدود من التجار محال صغيرة قرب المسجد الحسيني الكبير، قبل أن يمتد تدريجيا مع خمسينيات القرن الماضي إلى نهاية شارع طلال، تزامنا مع ازدهار تجارة مستلزمات البادية، من بيوت الشعر والسروج واللوازم التقليدية، إلى جانب بنادق الصيد والأسلحة المرخصة.
ويقول محمود الزاهري، أحد أقدم تجار السوق، إن والده إبراهيم الزاهري أسس المحل في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تنتقل المهنة إلى الأبناء، مؤكدا أن العائلة تسعى اليوم إلى توريثها للأجيال المقبلة باعتبارها جزءا من تاريخ عمّان وتراثها.
ويضيف للجزيرة نت أن "كل مهنة لها أسرارها، وقد تعلمناها من الوالد، ونفتخر باستمرارها حتى اليوم"، مشيرا إلى أن السوق لم يعد مجرد مكان للبيع والشراء، بل أصبح معلما يقصده السياح والمهتمون بتاريخ العاصمة.
من الدفاع عن النفس إلى هواية الصيد
شهدت تجارة السلاح في الأردن تحولات كبيرة مع تطور الدولة والقوانين. ففي العقود الأولى من القرن الماضي، كان اقتناء السلاح يرتبط بالدفاع عن النفس وحماية المواشي في البوادي والأرياف، قبل أن تتحول البنادق تدريجيا إلى أدوات مخصصة للصيد والرماية الرياضية.
إعلانواليوم، يقتصر نشاط السوق على بيع بنادق الصيد والعتاد وإكسسوارات الأسلحة المرخصة، إضافة إلى خدمات الصيانة، في ظل رقابة أمنية وتشريعات تنظم عمليات البيع والاقتناء.
ويؤكد الزاهري أن شراء أي قطعة سلاح لا يتم إلا بعد استيفاء شروط محددة، أبرزها أن يكون المشتري أردنيا يحمل رقما وطنيا، وألا يقل عمره عن 21 عاما، وأن يكون سجله الأمني خاليا من القيود، فضلا عن حصوله على موافقة وترخيص مسبق من وزارة الداخلية قبل إتمام عملية الشراء.
ويرى أن هذه الإجراءات أسهمت في تعزيز ثقافة الالتزام بالقانون، ومنعت إساءة استخدام السلاح، مؤكدا أن التجار أنفسهم يتحملون مسؤولية قانونية في تسجيل بيانات المشترين وأرقام الرخص في سجلات رسمية.
لم يكن سوق السلاح مجرد مكان للتجارة، بل شهد على محطات سياسية وتاريخية مرت بالمنطقة.
ويستذكر أحمد الزاهري، أحد أصحاب المحال، زيارات شخصيات عربية بارزة إلى السوق خلال ثمانينيات القرن الماضي، من بينها مرافقون للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وأفراد من مرافقي الأمير نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودي الأسبق، الذين قصدوا السوق للاطلاع على البنادق التقليدية والمميزة.
ويقول إن تلك الزيارات تعكس السمعة التي اكتسبها السوق عربيا، باعتباره أحد أقدم أسواق السلاح المرخص في المنطقة، وليس بوصفه مركزا لبيع الأسلحة خارج إطار القانون.
ورغم الطابع التراثي للسوق، فإن تجارة السلاح في الأردن تخضع لأحد أقدم القوانين المنظمة لهذا القطاع، وهو قانون الأسلحة النارية والذخائر رقم 34 لسنة 1952 وتعديلاته.
وينص القانون على جواز احتفاظ المواطنين في منازلهم ببنادق الصيد أو المسدسات للاستعمال الشخصي والدفاع عن النفس، بعد الحصول على ترخيص مسبق من وزير الداخلية أو من يفوضه، ويلتزم التاجر بتسجيل رقم الرخصة واسم المشتري في سجلاته الرسمية.
وفي المقابل، يفرض القانون عقوبات مشددة على حيازة أو تصنيع أو استيراد أو بيع الأسلحة دون ترخيص، وتصل العقوبات في بعض الجرائم المرتبطة بالأسلحة الأوتوماتيكية إلى الإعدام، فيما يعاقب بالحبس والغرامة كل من يطلق العيارات النارية دون مبرر قانوني، سواء كان السلاح مرخصا أو غير مرخص.
وتؤكد هذه النصوص أن اقتناء السلاح في الأردن محصور بأغراض الصيد والحماية الشخصية وفق القانون، ولا يجيز إطلاق النار في المناسبات أو الاحتفالات، وهي ممارسات تلاحقها السلطات وتدعو باستمرار إلى نبذها لما تشكله من خطر على الأرواح والممتلكات.
ورغم تغير أنماط الحياة، لا يزال سوق السلاح يحتفظ بجاذبيته التراثية، إذ يقصده السياح لالتقاط الصور والتعرف إلى تاريخ المهنة، فيما يرى مهتمون بالتراث أن السوق يمثل جزءا من الهوية العمرانية والثقافية لوسط عمّان، إلى جانب أسواق الذهب والبخارية والسكر.
ويضم الأردن اليوم أكثر من مئة محل مرخص لبيع الأسلحة، يتركز عدد كبير منها في العاصمة، بينما بقي سوق شارع طلال الأشهر والأقدم، بفضل ارتباطه بتاريخ المدينة وتحولاته.
إعلانوفي الوقت الذي تطورت فيه تجارة السلاح عالميا، بقي هذا السوق محافظا على خصوصيته؛ فهو لا يقدم السلاح بوصفه رمزا للقوة أو العنف، بل جزءا من تاريخ الفروسية والصيد، ومن ذاكرة مدينة ما زالت تحتفظ ببعض ملامحها القديمة.
وبين واجهات المحال الخشبية، وروائح زيوت تنظيف البنادق، وأحاديث التجار الذين ورثوا المهنة أبا عن جد، يظل سوق السلاح شاهدا على صفحة من تاريخ عمّان، حيث يمتزج التراث بالقانون، ويؤكد الأردنيون أن السلاح المرخص وسيلة للصيد والحماية ضمن الضوابط القانونية، أما إطلاق الرصاص في المناسبات فهو سلوك مرفوض ويعاقب عليه القانون حفاظا على أمن المجتمع وسلامته.
المصدر: الجزيرة