شن النظام الأوكراني اليوم الاثنين 10 أغسطس هجوما واسعا بالطائرات المسيرة طال مصفاة "تانيكو" النفطية ومناطق سكنية في نيجنيكامسك بجمهورية تتارستان الروسية.
RT
أسفر الهجوم الإرهابي الأوكراني (على بعد نحو 800 كيلومتر شرق موسكو) عن مقتل 13 بينهم طفل وإصابة نحو 75 وفقا لآخر بيانات السلطات المحلية وقت كتابة المقال. وعلى خلفية تراجع قدرة أوكرانيا على حماية عمقها من الصواريخ الروسية بسبب نقص صواريخ الاعتراض وعلى رأسها صواريخ "باتريوت" الأمريكية، يلجأ نظام كييف النازي إلى ضرب العمق الروسي والأهداف المدنية بانتظام، وبأسلحة يوفرها لهذا النظام دول الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو"، ناهيك عن توفير كافة الإحداثيات والبيانات المطلوبة من الأقمار الصناعية العسكرية للحلف.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح، 6 أغسطس الجاري، بأن الولايات المتحدة تحتاج صواريخ "باتريوت" ردا على طلب زيلينسكي 300 من هذه الصواريخ، مستندا إلى انخفاض المخزونات الأمريكية واحتياجات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبينما قال زيلينسكي، 8 أغسطس، إن الولايات المتحدة وأوكرانيا توصلتا إلى اتفاق على تسليم صواريخ الاعتراض "باتريوت" بصورة شهرية، إلا أنه قال أيضا إن الكميات التي ستحصل عليها أوكرانيا "لا تزال أقل من احتياجاتها".
وهنا بدأ زيلينسكي، بناء على نصائح أسياده الأوروبيين فيما يبدو، يبحث عن الصواريخ في أوروبا أيضا، حيث صرح بأن لدى بولندا وألمانيا صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية يمكن أن تساعد أوكرانيا، وأن كييف تتفاوض مع "دول أوروبية أخرى". لهذا تبدو زيارة زيلينسكي إلى بولندا في طريق عودته من الولايات المتحدة، 30 يوليو، متسقة مع هذا التوجه، إلا أن المشكلة تكمن في قرار زيلينسكي، 26 مايو الماضي، بمنح إحدى وحدات القوات الخاصة الأوكرانية لقب "أبطال جيش التمرد الأوكراني" UPA بهدف ما قل إنه "استعادة التقاليد التاريخية للجيش الوطني"، وهو ما فجر أزمة حادة مع بولندا.
ذلك أن حركة "التمرد الأوكراني" UPA لم تكن مجرد حركة قومية مسلحة قاتلت من أجل "استقلال أوكرانيا" وكانت "مقاومة للسوفيت" كما تقدمها الرواية الأوكرانية، وإما تعاونت تلك الحركة في مراحل مختلفة مع ألمانيا النازية، والأهم بالنسبة لبولندا هو مسؤوليتها عن مذابح فولينيا خلال الأعوام 1943-1945، التي تعتبرها وارسو إبادة جماعية وتطهيرا عرقيا للبولنديين، بينما تقدر بولندا عدد القتلى البولنديين بنحو 100 ألف شخص.
لهذا، فحينما يقوم زيلينسكي في مايو 2026 بتسمية إحدى وحدات القوات الخاصة باسم "التمرد الأوكراني" من أجل "استعادة التقاليد التاريخية" للتواطؤ مع النازية والتكريم الرسمي لقوة مرتبطة بمقتل عشرات الآلاف من البولنديين، ثم يذهب إلى وارسو في يوليو 2026 لطلب صواريخ "باتريوت"، لا يبدو ذلك تصرفا يتسم بالحصافة على أقل تقدير.
إلا أن البولنديين أجابوا بدبلوماسية وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن بولندا "ستنظر في إمكانية إرسال صواريخ إضافية لمنظومات (باتريوت) إلى أوكرانيا في المستقبل القريب".
يحتاج زيلينسكي إلى الدعم البولندي ليس فقط في الصواريخ، وإنما يحتاج دعما عسكريا ولوجستيا ويحتاج الأراضي البولندية كممر رئيسي للمساعدات الغربية وتصدير السلع والبضائع الأوكرانية بعد الدمار الكبير لميناء أوديسا الذي كانت تخرج منه 90% من تجارة الحبوب الأوكرانية و70% من البضائع والسلع، بسبب رعونة نظام زيلينسكي بدعم من أسياده الأوروبيين وضربه العمق الروسي والأهداف المدنية داخل روسيا بصواريخ متوسطة المدى يحصل عليها من بريطانيا ومن الدول الغربية.
في الوقت نفسه يقوم زيلينسكي، ويا للعجب والدهشة، بتكريم اسم "جيش التمرد الأوكراني" المتواطئ مع النازية، والمتسبب في مذبحة فولينيا، فيجرح الذاكرة التاريخية البولندية.
إلا أن السؤال الأكثر أهمية الذي تطرحه مستجدات الوضع الراهن هو ما إذا كانت العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا قد دخلت مرحلة تستطيع فيها روسيا أن تستنزف الدفاع الجوي الغربي في أوكرانيا أسرع من قدرة الغرب على إعادة تسليح أوكرانيا؟
حتى الآن لا توجد أرقام موثوقة لما يحيط بالمعلومات من سرية وما يحيط بالتقديرات من مبالغات في بعض الأحيان، إلا أن روسيا تنتج ما يصل إلى 700-800 صاروخ سنويا، بينما تنتج الولايات المتحدة نحو 600 صاروخ سنويا، مع خطة طموحة لرفعها إلى 2000 صاروخ سنويا بحلول عام 2030.
لكن الصواريخ الأمريكية ليست مخصصة لأوكرانيا، وإنما مخصصة للدفاعات الأمريكية والغربية حول العالم، حيث استنزفت الحرب في الشرق الأوسط المخزون الأمريكي بشدة. تقول "رويترز" إن المخزون الأمريكي من صواريخ "باتريوت" انخفض بنحو 65% بين فبراير ويوليو 2026، من نحو 2330 صاروخا إلى أقل من 850.
لقد طلب زيلينسكي من ترامب 300 صاروخ اعتراضي "باتريوت" قبل الشتاء، وهو ما يراه رئيس نظام كييف ضروري لتعزيز حماية أوكرانيا، إلا أن تقديرات الاستهلاك تثير الدهشة، حيث تحتاج أوكرانيا في الظروف العادية نحو 60-70 صاروخ اعتراض شهريا، بينما يمكن أن يرتفع الاستهلاك إلى 150-180 صاروخا مع تعرض البلاد لهجمات مكثفة ردا على الهجمات الإرهابية التي تشنها العصابة في كييف على مواقع مدنية في العمق الروسي.
بمعنى أن أوكرانيا وحدها تحتاج إلى أكثر مما تنتجه الولايات المتحدة (تحتاج تقريبا إلى 720-840 صاروخ سنويا). بالقطع هناك مستويات مختلفة من الدفاع الجوي، وهناك صواريخ أخرى من دول أخرى، إلا أن تكلفة الدفاع عن أوكرانيا، وتكلفة بقاء أوكرانيا على قيد الحياة كدولة أصبحت أكبر من قدرات أوروبا وربما من قدرات أوروبا والولايات المتحدة معا.
300 صاروخ لزيلينسكي لا تعني أكثر من 4-5 أشهر من الاستهلاك العادي، وأقل بكثير من ذلك مع تكثيف الضربات الروسية جراء الأفعال الرعناء المجرمة لنظام كييف النازي.
هذا تحديدا هو المستقبل المظلم الذي ينتظر كييف، بعدما تجاهلت كل المحاولات للتفاوض والجلوس إلى طاولة المفاوضات بدعم وتحريض من الأسياد الأوروبيين، والاستفادة من العروض السخية التي قدمها الجانب الروسي في أنكوريج، واستنادا إلى ما أسفرت عنه القمة في ألاسكا بين الرئيسين بوتين وترامب منذ عام.
ما نتحدث عنه الآن في ظل الأوضاع الجيوسياسية الدولية هو أن الغرب يواجه حاليا أكبر أزمة مخزون من صواريخ الاعتراض، وأوكرانيا بدأت تصطدم بسقف القدرة الأمريكية والأوروبية على مواصلة تزويدها وإمدادها ليس فقط بالصواريخ والأسلحة، وإنما أيضا بالأموال لإنقاذ الاقتصاد المتردي قبل الوضع في الاعتبار تحويل أوكرانيا إلى دولة بلا موانئ على البحار Land Locked.
فهل ترى سيظهر في أوكرانيا من يستطيع أن يكاشف المواطن الأوكراني بما ارتكبه النظام الانقلابي منذ 12 عاما من قتل وسفك للدماء وإضاعة للأراضي وإهدار للموارد وتدمير للدولة ومستقبلها في سبيل حفنة دولارات ووعود زائفة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي و"الناتو"، وهي وعود يعترف مسؤولون في الحكومة الأوكرانية الآن بأنها واهية وغير قابلة للتنفيذ. لنرى ما تحمله لنا الأشهر القليلة المقبلة.