"الأمة التي تُكنّ لأخرى كراهية أو عاطفة متأصلة هي، إلى حد ما، أمة مستعبدة"، وفق جورج واشنطن. وعلينا الاسترشاد بقوله في العلاقة مع إسرائيل. سكارليت كينيدي – ناشيونال إنترست
Legion-Media
بعد مرور 250 عامًا على التجربة الأمريكية، نادرًا ما كان السؤال حول ما تدين به الولايات المتحدة لحلفائها أكثر إلحاحًا. وقلّما حظيت قضايا السياسة الخارجية باهتمام الرأي العام في السنوات الأخيرة كما حظيت به شروط العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويجدر بالأمريكيين العودة إلى خطاب وداع جورج واشنطن، الذي كتبه عام 1796، حين واجهت الجمهورية الفتية نقاشًا مشابهًا بشكل لافت حول مدى الولاء لحليف مفضل.
لقد كانت فرنسا، الحليف الذي لا غنى عنه خلال حرب الاستقلال، وكانت تخوض آنذاك حروبها الثورية في أوروبا، وشعر جزء كبير من الشعب الأمريكي بالتزام بالوقوف إلى جانبها. كان واشنطن قد أعلن حياد الولايات المتحدة عام 1793، لكن فرنسا، إدراكًا منها للارتباط العاطفي الذي يكنّه كثير من الأمريكيين لها، استمرت في التدخل في السياسة الأمريكية لحشد الدعم لحروبها.
وشعر جورج واشنطن بالإحباط آنذاك بسبب التدخل الفرنسي وميول شريحة واسعة من الأمريكيين لفرنسا. وكتب واشنطن وقتها محذراً: إن التعلق بدولة مفضلة يوحي بوجود مصلحة مشتركة وهمية لا توجد فيها مصلحة حقيقية للولايات المتحدة، مما يدفع الدولة المتأثرة "إلى المشاركة في نزاعات وحروب تلك الدولة دون حافز أو مبرر كافٍ". وكانت خاتمته صريحة: "الأمة التي تُكنّ لأخرى كراهية أو عاطفة متأصلة هي، إلى حد ما، أمة مستعبدة".
كان التحذير ذا حدين: فالميل الدائم والكراهية الدائمة كلاهما مُدمِّر، وكلاهما شكل من أشكال الاستعباد لمصير دولة أجنبية. وهذا هو المنطق الذي استند إليه إعلان الحياد عام 1793، وهو المنطق الذي كان يأمل أن تتبناه الأمة بعد رحيله.
إن عبقرية إعلان الحياد تكمن في انفصاله عن كلٍّ من العداء الأمريكي تجاه البريطانيين وميله للفرنسيين. فرغم أن المصالح الأمريكية والفرنسية كانت متوافقة في السابق، إلا أن الأمور تغيرت. فبعد ثورتها، ازدادت فرنسا تطرفًا وسرعان ما وجدت نفسها في حالة حرب مع معظم أوروبا.
أما الولايات المتحدة، فلم تكن مهتمة بالحرب؛ إذ بدأ اقتصادها للتو بالتعافي من دمار حرب الاستقلال، وكان أكبر شركائها التجاريين بريطانيا العظمى. أما عسكريًا فلم تكن تمتلك سوى ميليشيات تديرها الدولة، بينما كانت بريطانيا وإسبانيا لا تزالان تسيطران على أراضٍ شاسعة في القارة الأمريكية. وكان من شأن التدخل إلى جانب فرنسا أن يُشعل صراعًا جديدًا مع القوى الأوروبية على الأراضي الأمريكية.
ولم يستند قرار البقاء على الحياد إلى المكانة الأخلاقية المتصورة لبريطانيا أو فرنسا، ولا إلى التزامات الولاء الصادقة. فقد أدرك واشنطن ضرورة إعطاء الأولوية لأمن ومصالح الأمريكيين الاقتصادية. وعندما تغيرت مصالح فرنسا، رأى أن اتباع إملاءات دولة أخرى بدافع الواجب فقط من شأنه أن يعرض بقاء الأمة للخطر.
ورغم أن الولايات المتحدة سعت جاهدة لفترة طويلة لاتباع درس واشنطن فيما يتعلق بإسرائيل، إلا أن العلاقة لم تكن دائمًا تتسم بالدعم الأمريكي غير المشروط. فقد حجب الرئيس دوايت أيزنهاور 100 مليون دولار من المساعدات الأمريكية السنوية وهدد بفرض عقوبات للضغط على إسرائيل للانسحاب من قناة السويس عام 1956. كما أوقف الرئيس رونالد ريغان شحنات الأسلحة إلى إسرائيل مرتين بسبب قصفها للعراق عام 1981 وغزوها للبنان عام 1982. وفي عام 1992 أوقف جورج بوش الأب ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار لإسرائيل بسبب مستوطناتها في الضفة الغربية.
ورغم ما أثارته من جدل فقد كانت هذه ممارسات طبيعية للضغط في إطار شراكة استراتيجية. واحتفظت الولايات المتحدة بالصلاحيات التي حددها جورج واشنطن: حرية إعادة تقييم الوضع متى اقتضت الظروف والمصالح ذلك.
وفي ظل المناخ الحالي يُعدّ تهديد إسرائيل بالعقوبات أو حجب المساعدات أمرًا لا يُتصور. وبمرور الوقت، تحوّلت العلاقة من شراكة استراتيجية مشروطة إلى التزام غير مشروط، وهي "علاقة خاصة" من النوع الذي حذّر منه جورج واشنطن تحديدًا.
بل إنّ المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل قد تمّ تقنينها في تشريعات تسعى إلى منع الأجيال القادمة من الأمريكيين من تغيير مسارها متى أرادوا، كما تمّ اقتراح تشريعات أخرى من شأنها منع الرؤساء المستقبليين من حجب المساعدات أو شحنات الأسلحة عن إسرائيل، وتم مؤخرًا دمج الصناعات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية.
وعلى غرار مُحبي فرنسا في تسعينيات القرن الثامن عشر، يُكنّ عديد من الشخصيات السياسية الأمريكية اليوم ما يُشبه الإعجاب بإسرائيل. وهذا تحديدًا هو "الميل المُتأصل" الذي حذّر منه واشنطن: وهو إخضاع المصالح الأمريكية لمصالح دولة أجنبية بدافع العاطفة وحدها.
وهناك جانب مُعارض، ينظر إلى إسرائيل بـ"الكراهية المُتأصلة" التي حذّر منها واشنطن. وهذه المواقف ضارة بنفس القدر، وعلى "الوطنيين المستنيرين والمستقلين" (على حد تعبير جورج واشنطن) أن ينظروا إلى كلا الطرفين بعين الشك. لقد بدأ الأمريكيون، عن حق، في التساؤل عن الدعم غير المشروط الذي تُقدّمه حكومتهم لإسرائيل. ولكن بينما تُصحّح الولايات المتحدة مسارها، عليها أن تحذر من الانزلاق إلى الطرف الآخر.
ينبغي للولايات المتحدة، وفق رأي الرئيس الأول، التعاون مع إسرائيل حيثما تتوافق المصالح، وممارسة الضغط حيثما تتباين، والاحتفاظ بحرية التكيف حسبما تقتضيه الظروف. وهذه الحرية هي تحديدًا ما يُغلقه الالتزام غير المشروط. فالعلاقة المُكرّسة في القانون والصناعة بشكل دائم هي علاقة لا يستطيع أي رئيس أو كونغرس أو جيل من الناخبين إعادة صياغتها، مهما تغيّرت الظروف. كما أنها تُحوّل الشراكة الاستراتيجية إلى التزام، وهو، كما حذّر واشنطن، شكل من أشكال التبعية.
في النهاية من حق الشعب الأمريكي أن يطرح أسئلة صعبة حول هذه العلاقة. والحل ليس استبدال المودة بالكراهية، بل استعادة ما أوصى به واشنطن عند التأسيس: الشراكة عندما تخدم المصالح الأمريكية، والتباعد عندما لا تخدمها، وقبل كل شيء، حرية الاختيار.