توترات في حلف الناتو وتراجع بالثقة بين حلفاء أمريكا
اتفاقية بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند ألحقت ضررا بالغا في حلف الناتو ولم يمكن أن يأتي هذا الضرر في وقت أسوأ. برادلي بومان – USA Today
Legion-Media
تؤكد الاتفاقية الجديدة التي حاكها ترامب بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند في 22 سبتمبرعلى توسيع نطاق حق وصول الولايات المتحدة إلى القواعد العسكرية القائم بالفعل. ووصف ترامب هذه الاتفاقية بأنها "حلم أصبح حقيقة". ويقول ترامب أن الاتفاقية ستضمن "سيطرة أمريكا الدائمة على أمن الإقليم الدنماركي".
في الواقع تُعيد الاتفاقية إلى حد كبير صياغة الترتيبات الدفاعية القائمة. وكان من الممكن تحقيق مكاسبها المتواضعة عبر دبلوماسية قائمة على الاحترام مع حليف، بدلا من الإكراه الذي يناسب الخصم، ودون الإضرار بتماسك حلف الناتو في ظل التقدم الروسي في أوكرانيا.
لطالما شكلت غرينلاند محورا أساسيا للأمن عبر الأطلسي. ولهذا السبب وافقت الولايات المتحدة والدنمارك في عام 1951 على السماح لواشنطن بالإبقاء على قواتها في الجزيرة واتخاذ خطوات للدفاع عنها.
تبلغ مساحة الجزيرة أكثر من 3 أضعاف مساحة ولاية تكساس، وتقع عند مفترق طرق استراتيجي بين المحيط الأطلسي الشمالي والمحيط المتجمد الشمالي، وبين كندا وأوروبا. وهي تهيمن على الحافة الغربية لممر غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة، الذي يمتد بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة.
ولطالما انتاب المخططين العسكريين الأمريكيين القلق من أن الغواصات الروسية والقاذفات الاستراتيجية قد تستخدم الممرات المائية والطرق الجوية في هذه المنطقة لمهاجمة السفن في شمال المحيط الأطلسي واستهداف الأراضي الأمريكية.
وتؤدي الأصول العسكرية الأمريكية في غرينلاند دورا مهما في المساعدة على كشف وردع أي عدوان. كما توفر مواقع الرادار والمراقبة العسكرية الأمريكية إنذارا مبكرا بوقوع هجمات صاروخية باليستية روسية على أمريكا الشمالية. ونظرا للأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، فإن واشنطن محقة في قلقها إزاء أي نشاط روسي أو صيني محتمل حول الجزيرة.
لقد أطلق حلف الناتو مبادرة "حارس القطب الشمالي" في فبراير استجابة لتزايد النشاط العسكري الروسي في القطب الشمالي. ودعت 13 دولة أوروبية، مؤخرا، إلى تعزيز الوجود العسكري في القطب الشمالي نظرا لتزايد التهديدات الروسية.
أما الصين، فتصف نفسها بأنها دولة "قريبة من القطب الشمالي"، رغم بعدها عنه. ومع ذلك، فقد كثّفت الصين نشاطها في أقصى الشمال، ساعية إلى الوصول إلى رواسب المعادن وخطوط الملاحة.
ورغم أهمية الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند للدفاع الأمريكي، إلا أن نهج ترامب العدواني زرع توترا وانقساما مكلفين داخل الحلف، وهدد السلامة الإقليمية وسيادة حليف قاتل وسفك دماءه إلى جانب الأمريكيين في أفغانستان والعراق.
لقد منحت الدنمارك بالفعل الولايات المتحدة حق الوصول الواسع إلى القواعد العسكرية في غرينلاند بموجب اتفاقية عام 1951 والترتيبات اللاحقة، وقد عرضت كوبنهاغن باستمرار تعزيز الوجود الأمريكي في الإقليم.
وتؤكد الصفقة الجديدة على تلك الحقوق الواسعة في إنشاء القواعد والوصول، لكنها تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تنص على أنه يمكن لواشنطن "تحديث وتوسيع أنشطتها" في قاعدة بيتوفيك الفضائية، وهي جزء أساسي من أنظمة الإنذار الصاروخي والمراقبة الفضائية الأمريكية.
كما يسمح الاتفاق أيضا للولايات المتحدة "بإنشاء منطقة دفاعية إضافية في نارسارسواك وميسترسفيج"، وينص على آلية لإضافة مواقع أخرى. ويُقرّ الاتفاق بالمصالح المشتركة في إنشاء مبادرة "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي التي أطلقتها واشنطن.
ويحظر الاتفاق صراحة إقامة منشآت عسكرية من قِبل دول غير أعضاء في حلف الناتو، وهذا يشمل بالطبع موسكو وبكين. إلا أن إقامة مثل هذه المنشآت كان مستبعدا للغاية، نظرا لأن روسيا تُعدّ الخصم الرئيسي للدنمارك. وقد أظهرت كوبنهاغن وعيا دقيقا بأهداف بكين في عام 2016، حيث منعت على ما يبدو شركة صينية من شراء قاعدة بحرية مهجورة في غرينلاند، وذلك لأسباب أمنية وعلاقات مع الولايات المتحدة.
يؤكد هذا الاتفاق، الذي يعزز حسن نية الدنمارك تجاه الولايات المتحدة، على فرض قيود على طموحات الخصوم في الوصول إلى الموارد الحيوية في غرينلاند. لكن هذا الاتفاق جاء بثمن باهظ. فقد ألحق ترامب ضررا بالغا بالثقة بين حلفاء أمريكا الأوروبيين، وأثار توترات في حلف الناتو.
لم يكن من الممكن أن يأتي هذا الضرر في وقت أسوأ. فقد وسّعت موسكو تعاونها بشكل كبير مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، والعملية العسكرية الروسية مستمرة في أوكرانيا وتتصاعد. وفي الوقت نفسه، سارعت واشنطن إلى تقليص وجودها العسكري في أوروبا.
نأمل أن تُنهي الاتفاقية الجديدة الأزمة الأطلسية بشأن غرينلاند، وأن تعزز الأمن الأمريكي. لكن الثمن كان باهظا وكان من الممكن تجنّبه تماما. ورغم أن ترامب يصف الصفقة بالحلم، ولكن كان بإمكان واشنطن الحصول عليها دون كل هذه التهديدات.